صفحة جزء
[ ص: 481 ] كتاب الذبائح

والذكاة اختيارية ، وهي الذبح في الحلق واللبة واضطرارية ، وهي الجرح في أي موضع اتفق ، وشرطهما التسمية ، وكون الذابح مسلما أو كتابيا ، فإن ترك التسمية ناسيا حل ، وإن أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لم تؤكل ، وإن ذبح بشفرة أخرى أكل ويكره أن يذكر مع اسم الله - تعالى - اسم غيره ، وأن يقول : اللهم تقبل من فلان .

والسنة نحر الإبل وذبح البقر والغنم ، فإن عكس فذبح الإبل ونحر البقر والغنم كره ويؤكل . والعروق التي تقطع في الذكاة : الحلقوم والمريء والودجان ، فإن قطعها حل الأكل ، وكذلك إذا قطع ثلاثة ( س ) منها ، ويجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم ، إلا السن القائمة والظفر القائم ويستحب أن يحد شفرته ، ويكره أن يبلغ بالسكين النخاع ، أو يقطع الرأس وتؤكل ، ويكره سلخها قبل أن تبرد ، وما استأنس من الصيد فذكاته اختيارية ، وما توحش من النعم فاضطرارية ، وإذا كان في بطن المذبوح جنين ميت لم يؤكل ( سم ) ، وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الخنزير والآدمي .


[ ص: 481 ] كتاب الذبائح

وهو جمع ذبيحة ، والذبيحة : المذبوحة ، وكذلك الذبح ، قال الله - تعالى - : ( وفديناه بذبح عظيم ) ، والذبح مصدر ذبح يذبح ، وهو الذكاة أيضا ، قال - تعالى - : ( إلا ما ذكيتم ) أي ذبحتم .

( والذكاة ) نوعان : ( اختيارية ، وهي الذبح في الحلق واللبة ) قال - عليه الصلاة والسلام - : " الذكاة ما بين اللبة واللحيين " أي موضع الذكاة ، وهي قطع عروق معلومة على ما يأتيك - إن شاء الله تعالى - .

قال : ( واضطرارية : وهي الجرح في أي موضع اتفق ) ، وهي مشروعة حالة العجز عن الاختيارية ، وذلك مثل الصيد والبعير الناد ، فلو رماه فقتله حل أكله لأن الجرح في غير المذبح أقيم مقام الذبح عند تعذر الذبح للحاجة ، والبقر والبعير لو ندا في الصحراء أو المصر بمنزلة الصيد ، وكذلك الشاة في الصحراء ، ولو ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنه يمكن أخذها ، أما البقر والبعير فربما عضه البعير ونطحه البقر فتحقق العجز فيها ، والمتردي في بئر لا يقدر على ذكاته في العروق كالصيد إذ لا يتوهم موته بالماء .

[ ص: 482 ] قال : ( وشرطهما التسمية ، وكون الذابح مسلما أو كتابيا ) أما التسمية فلقوله - تعالى - : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) والمراد حالة النحر بدليل قوله : ( فإذا وجبت جنوبها ) أي سقطت بعد النحر ، وما مر من حديث عدي في الصيد ، وقوله فيه : " فإنما سميت على كلبك " ، فلو تركها عامدا لا تحل ; لقوله - تعالى - : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) ، ولم ينقل في ذلك خلاف عن الصدر الأول ، وإنما اختلفوا في متروك التسمية ناسيا ، فالقول بإباحة متروك التسمية عامدا مخالف للإجماع ، ولهذا قال أصحابنا : إذا قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لأنه قول مخالف للكتاب والإجماع ، والكتابي فيه كالمسلم ، ولأن ما ذكرنا من النصوص منها أمر بالتسمية ، ومنها جعلها شرطا لحل الأكل ، وذلك يدل على حرمة المتروك عامدا ، وأما كون الذابح مسلما لقوله - تعالى - : ( إلا ما ذكيتم ) خطاب للمسلمين ، وأما الذمي فلقوله - تعالى - في طعام الذين أوتوا الكتاب ( حل لكم وطعامكم حل لهم ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - في المجوس : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم " ; فدل على حل ذبائح أهل الكتاب ، فإن سمى النصراني المسيح وسمعه المسلم لا يأكل منه ، ولو قال بسم الله وهو يعني المسيح يأكل منه بناء على الظاهر ، ويشترط أن يكون يعقل التسمية ويضبطها ويقدر على الذبح ، فتحل ذبيحة المرأة المسلمة والكتابية والصبي إذا قدر على الذبح ، والمرتد لا ملة له فلا تجوز ذبيحته ، ويجوز صيد المجوسي والمرتد السمك والجراد ; لأنه لا ذكاة له فحله غير منوط بالتسمية .

قال : ( فإن ترك التسمية ناسيا حل ) ; لأن في تحريمه حرجا عظيما ; لأن الإنسان قلما يخلو [ ص: 483 ] عن النسيان فكان في اعتباره حرج . وسئل - عليه الصلاة والسلام - عمن نسي التسمية على الذبيحة ، فقال : ( اسم الله على لسان كل مسلم ) ، ولأن الناسي غير مخاطب بما نسيه بالحديث فلم يترك فرضا عليه عند الذبح بخلاف العامد .

قال : ( وإن أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لم تؤكل ، وإن ذبح بشفرة أخرى أكل ) ، ولو أخذ سهما وسمى ثم وضعه فأخذه غيره ولم يسم لا يحل ، ولو سمى على سهم فأصاب صيدا آخر حل ، والفرق أن التسمية في الذبح مشروطة على الذبيحة ، قال - تعالى - : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) فإذا تبدلت الذبيحة ارتفع حكم التسمية عليها ، وفي الرمي والإرسال التسمية مشروطة على الآلة ، قال - عليه الصلاة والسلام - : " إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله عليه فكل " ، وقال : " فإنما سميت على كلبك " ، فما لم تتبدل الآلة فالتسمية باقية ، وإذا تبدلت ارتفع حكمها فاحتاج إلى تسمية أخرى .

قال : ( ويكره أن يذكر مع اسم الله - تعالى - اسم غيره ، وأن يقول : اللهم تقبل من فلان ) ; لأن الشرط هو الذكر الخالص ، لقول ابن مسعود : جردوا التسمية ، فإذا ذكر اسم غير الله - تعالى - مع اسم الله - تعالى - فأما إن ذكره موصولا به أو مفصولا ، فإن فصل فلا بأس بأن ذكره قبل التسمية أو قبل الإضجاع أو بعد الذبيحة ; لأنه لا مدخل له في الذبيحة . وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال بعد الذبح : " اللهم تقبل هذه من أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ " ، وإن ذكره موصولا ، فأما إن كان معطوفا أو لم يكن ، فإن كان معطوفا حرمت ; لأنه أهل به لغير الله بأن يقول : باسم الله واسم فلان ، أو باسم الله وفلان ، أو باسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال ، ولو رفعها لا يحرم لأنه كلام مستأنف غير متعلق بالذبيحة ، وإن كان موصولا غير معطوف بأن قال : باسم الله محمد رسول الله لا يحرم لأنه لما لم يعطف لم توجد الشركة فيقع الذبح خالصا لله - تعالى - إلا أنه يكره ; لأنه صورة المحرم من حيث القران في الذكر ، ولو قال عند الذبح : اللهم [ ص: 484 ] اغفر لي ، لا يحل لأنه دعاء ، ولو قال : الحمد لله أو سبحان الله ، ينوي التسمية حل ، والمنقول المتوارث من الذكر عند الذبح : بسم الله ، الله أكبر ، وكذا فسر ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) .

قال : ( والسنة نحر الإبل وذبح البقر والغنم ، فإن عكس فذبح الإبل ونحر البقر والغنم كره ويؤكل ) قال - تعالى - : ( فصل لربك وانحر ) ، قالوا : المراد نحر الجزور ، وقال : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) ، وقال : ( وفديناه بذبح عظيم ) . والذبح : ما يذبح وكان كبشا ، وهو المتوارث من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة إلى يومنا هذا ، وإنما كره إذا عكس لمخالفته السنة ، ويؤكل لوجود شرط الحل وهو قطع العروق وإنهار الدم .

قال : ( والعروق التي تقطع في الذكاة : الحلقوم والمريء والودجان ) ، وقال الكرخي : الذكاة في الأوداج : والأوداج أربعة : الحلقوم ، والمريء ، والعرقان اللذان بينهما ، وأصله قوله - عليه الصلاة والسلام - : " أفر الأوداج بما شئت " ، وهو اسم جمع فيتناول ثلاثة ، وهو المريء والودجان ، ولا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فثبت قطع الحلقوم اقتضاء ، ( فإن قطعها حل الأكل ) لوجود الذكاة ، ( وكذلك إذا قطع ثلاثة منها ) أي ثلاثة كانت . وقال أبو يوسف : لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين . وعن محمد أنه يعتبر الأكثر من كل عرق . وذكر القدوري قول محمد مع أبي يوسف ، وحمل الكرخي قول أبي حنيفة ، وإن قطع أكثرها حل على ما قاله محمد ، والصحيح ما ذكرنا . لمحمد أن الأمر ورد بفري العروق ، وكل واحد منفصل عن الباقين أصل بنفسه فلا يقوم غيره مقامه ، إلا أنه إذا قطع أكثره فكأنه قطعه إقامة [ ص: 485 ] للأكثر مقام الكل ، ولأن المقصود يحصل بقطع الأكثر ، ألا يرى أنه يخرج به ما يخرج بقطع جميعه ، ولأن الذبح قد يبقي اليسير من العروق فلا اعتبار به . ولأبي يوسف - رحمه الله - أن كل واحد منهما يقصد بقطعه غير ما يقصد بقطع الآخر ، فإن الحلقوم مجرى النفس ، والمريء مجرى الطعام ، والودجين مجرى الدم ، فإذا قطع أحد الودجين حصل المقصود بقطعهما ، وإذا ترك الحلقوم أو المريء لا يحصل المقصود من قطعه بقطع ما سواه . ولأبي حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكل في الأصول ، فبقطع أي حادث كان حصل قطع الأكثر ، ولأن المقصود يحصل بذلك ، وهو إنهار الدم والتسبيب إلى إزهاق الروح ; لأنه لا يحيا بعد قطع مجرى النفس والطعام ، والدم يجري بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب .

قال : ( ويجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم ، إلا السن القائمة والظفر القائم ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " أفر الأوداج بما شئت وكل " ، وقوله : ( أنهر الدم بما شئت ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : " كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ، ما خلا السن والظفر فإنهما مدى الحبشة " ، والحبشة كانوا يذبحون بهما قائمين ، ولأن القتل بهما قائمين يحصل بقوة الآدمي وثقله فأشبه المنخنقة ، ولو ذبح بهما منزوعين لا بأس بأكله ويكره . أما الكراهة فلظاهر الحديث وأنه استعمال لجزء الآدمي وأنه حرام ، ولا بأس به لما ذكرنا من المعنى ولحصول المقصود ، وهو إنهار الدم وقطع الأوداج . ونص محمد على أن المذبوح بهما قائمين ميتة لأنه وجد فيه نصا ، وما لا يجد فيه نصا يتحرى فيقول في الحل لا بأس به ، وفي الحرمة لا يؤكل أو يكره .

قال : ( ويستحب أن يحد شفرته ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " ، ورأى - عليه الصلاة والسلام - رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته ، فقال : هلا حددتها قبل أن تضجعها ؟

قال : ( ويكره أن يبلغ بالسكين النخاع أو يقطع الرأس وتؤكل ) والنخاع عرق أبيض في [ ص: 486 ] عظم الرقبة ; لأنه - عليه الصلاة والسلام - : " نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت " ، وفسروه بما ذكرنا ، وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة ويؤكل لوجود المقصود ; لأن هذه الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم فلا يوجب التحريم .

قال : ( ويكره سلخها قبل أن تبرد ) أي يسكن اضطرابها ، وكذا يكره كسر عنقها قبل أن تبرد لما فيه من تألم الحيوان وبعد ذلك لا ألم فلا يكره . وفي الحديث : " ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب " أي لا تقطعوا رقبتها وتفصلوها حتى تسكن حركتها ، وإن ذبح الشاة من قفاها إن ماتت قبل قطع العرق فهي ميتة لوجود الموت بدون الذكاة ، وإن قطعت وهي حية حلت لأنها ماتت بالذكاة ، كما إذا جرحها ثم ذبحها ، إلا أنه يكره فعله لما فيه من زيادة الألم من غير فائدة .

قال : ( وما استأنس من الصيد فذكاته اختيارية ) للقدرة عليها ( وما توحش من النعم فاضطرارية ) للعجز عن الاختيارية .

قال : ( وإذا كان في بطن المذبوح جنين ميت لم يؤكل ) وقالا : إذا تم خلقه أكل وإلا فلا ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " ، ولأنه جزء الأم متصل بها يتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها ويدخل في بيعها ويعتق بإعتاقها ، فيتذكى بذكاتها كسائر أجزائها . ولأبي حنيفة أنه حيوان بانفراده حتى يتصور حياته بعد موتها فيفرد بالذكاة ، ولهذا يعتق بإعتاق مفرد ، وتجب فيه الغرة وتصح الوصية به وله دونها ، ولأنه حيوان دموي لم يخرج دمه فصار كالمنخنقة ; لأن بذكاة الأم لا يخرج دمه بخلاف الصيد ; لأن الجرح موجب لخروج الدم ، ولأنه احتمل موته بذبح الأم واحتمل قبله فلا يحل بالشك ، والحديث روي بالنصب بنزع الخافض فدل على تساويهما في الذكاة لقوله - تعالى - : ( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) وعلى رواية [ ص: 487 ] الرفع احتمل التشبيه أيضا كقوله تعالى : ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) فيحمل عليه توفيقا ، ولهذا كره أبو حنيفة ذبح الشاة الحامل التي قربت ولادتها لما فيه من إضاعة الولد ، وعندهما لا يكره لأنه يؤكل عندهما .

قال : ( وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الخنزير والآدمي ) فإن الذكاة لا تعمل فيهما ; لأن الذكاة تزيل الرطوبات وتخرج الدماء السائلة ، وهي المنجسة لا ذات اللحم والجلد فيطهر كما في الدباغ . أما الآدمي فلكرامته وحرمته ، والخنزير لنجاسته وإهانته فلا تعمل الذكاة فيهما كما لا يعمل الدباغ في جلدهما وقد مر في الطهارة ، ولو ذبح شاة مريضة فلم يتحرك منها شيء إلا فمها . قال محمد بن سلمة : إن فتحت فاها وعينها ومدت رجلها ونام شعرها لم تؤكل ، وإن كان على العكس أكلت .

التالي السابق


الخدمات العلمية