صفحة جزء
البحث الثامن : في أقسام المنوي ، وأحواله .

المنوي من العبادات ضربان : أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة ، والثاني : مقصود لغيره ، وهو قسمان : أحدهما مع كونه مقصودا لغيره ، فهو أيضا مقصود لنفسه كالوضوء ، والثاني : مقصود لغيره فقط كالتيمم ، ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم ، والمقصود بالنية إنما هو تمييز المقصود لنفسه لأنه المهم .

فلا جرم إذا نوى التيمم دون استباحة الصلاة ، فقولان للعلماء : أحدهما لا يجزئ لكونه مما ليس بمقصود في نفسه ، والثاني : يجزئه لكونه عبادة .

والذي هو مقصود لنفسه ، ولغيره يتخير المكلف بين قصده له لكونه مقصودا في نفسه ، وبين قصده للمقصود منه دونه .

فالأول : كقصده الوضوء ، والثاني : كقصده استباحة الصلاة ، فإن نوى الصلاة ، أو شيئا لا يقدم عليه إلا بارتفاع الحدث الذي هو الاستباحة - صح لاستلزام هذه الأمور رفع الحدث .

فروع سبعة :

الأول : في الجواهر : إذا نوى ما يستحب له الوضوء كتلاوة القرآن وحده [ ص: 251 ] فالمشهور أن حدثه لا يرتفع ; لأن الحدث عبارة عن المنع الشرعي ، وصحة هذا الفعل لا تتوقف على رفع المنع ، فلا تستلزمه فيكون حدثه باقيا ، وقيل : يرتفع نظرا إلى أصل الأمر بالوضوء لهذه الأمور .

الثاني : إذا نوى رفع بعض الأحداث ناسيا لغيرها أجزأه ; لأن المقصود رفع المنع ، وقد حصل ، ومعنى هذا الكلام على التحقيق أنه نوى رفع سبب بعض الأحداث ; لأن الأسباب لا يمكن رفعها لاستحالة رفع الواقع .

الثالث : قال : إذا نوى استباحة صلاة بعينها ، وأخرج غيرها من نيته ، فقيل : يستبيح ما نواه ، وما لم ينوه ; لأن حدثه قد ارتفع باعتبار ما نواه ، وذلك يقتضي استباحة سائر الصلوات ، وليس للمكلف أن يقتطع مسببات الأسباب الشرعية عنها ، فلو قال : أتزوج ، ولا يحل لي الوطء ، أو أشتري السلعة ، ولا يحصل لي الملك - لم يعتبر ذلك ، فكذلك ها هنا ، وقيل : تبطل طهارته للتضاد ، ولا تستبيح شيئا ، وقيل : تختص الإباحة بالمنوي لقوله عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ) .

الرابع : قال المازري : إذا نوى رفع بعض الأحداث مخرجا لغيره من نيته ، ففيه الثلاثة الأقوال التي في تخصيص الصلاة بالإباحة .

الخامس : قال المازري : لو نوى رفع الحدث ، والتبرد أجزأه ; لأن ما نواه معه حاصل ، وإن لم ينوه ، فلا تضاد ، وقيل : لا يجزئه ; لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله تعالى فقط ، وهاهنا الباعث الأمران .

السادس : قال ابن بشير : لو نوى رفع الحدث ، وقال : لا أستبيح ، أو نوى الاستباحة ، وقال : لا يرتفع الحدث ، أو نوى امتثال أمر الله تبارك وتعالى ، وقال : لا أستبيح ، ولا يرتفع الحدث لم يصح وضوؤه للتضاد .

السابع : إذا فرق النية على الأعضاء ، فنوى الوجه وحده ، ثم كذلك اليدين إلى آخر الطهارة ، فقولان منشؤهما عند الأصحاب أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو وحده ، أو لا بد في ارتفاعه من غسل الجميع ؟

[ ص: 252 ] ويخرج على ذلك مسألة الكتاب : وهي إذا مس ذكره في غسل جنابته بعد غسل أعضاء وضوئه ، وأعاد وضوءه ، فإنه يفتقر إلى نية عند الشيخ أبي محمد ; لأن حدث الجنابة قد ارتفع عن المغسول قبل ذلك عن أعضائه ، وغير الجنب يجب عليه نية الوضوء ، ولا يعيد النية عند الشيخ أبي الحسن ; لأن الحدث لم يرتفع عن الأعضاء السابقة ، فهو جنب ، والجنب لا يجب عليه أن ينوي الوضوء .

وقال المازري قال بعض المتأخرين : يتخرج على رأي أبي الحسن إذا مس ذكره بعد غسله بفور ذلك أن لا ينوي الوضوء ; لأن النية الحكمية كما تستصحب في آخر العبادة تستصحب بفورها ، وقال غيره : لا يجري الخلاف ها هنا .

ويتخرج عليه أيضا من غسل إحدى رجليه ، وأدخلها في الخف ، ثم غسل الأخرى ، وأدخلها في الخف هل يمسح عليهما قولان .

التالي السابق


الخدمات العلمية