صفحة جزء
الفصل الثامن : في سبق الإمام المأموم وبالعكس

وفيه فروع تسعة :

الأول : قال في الكتاب : إذا جاء والإمام راكع فليركع إن كان قريبا وخشي رفع رأسه من الركوع ويدب إلى الصف ، وقال في العتبية : القرب نحو ثلاثة صفوف ، وقال الشافعي : إن دب ثلاث خطوات بطلت صلاته ، قال صاحب الطراز : وظاهر قوله إن كان قريبا أنه إن بعد لا يركع ، وإن خشي فوات الركعة حتى يأتي الصف وقد نص عليه في المجموعة ، وروى عنه خلافه قال : ويحتمل أن يكون خلافا أو يحمل الأول على أول الصلاة ; لأن إدراك فضيلة الجماعة ممكن ، والثاني على آخر ركعة ، قال أبو الطاهر : وقيل لا يركع مطلقا حتى يدخل الصف .

وإذا قلنا : يدب فهل وهو راكع حتى يرفع وهو في الصف أو حتى يرفع ؟ لأن فعله ذلك في الركوع فشاق قولان ، وفي البخاري عن أبي بكرة أنه انتهى إليه - عليه السلام - وهو راكع فركع قبل أن يصل الصف فذكر ذلك للنبي - عليه السلام - فقال : زادك الله حرصا ولا تعد .

[ ص: 274 ] الثاني : قال : في المجموعة إدراك الركعة قبل رفع الإمام ، قال صاحب الطراز : فإن شك في ذلك لا يحرم ، فإن أحرم وركع ، ثم شك فلا يعتد بها عند مالك ويتمادى ، ويعيد عند ابن الماجشون احتياطا ، والأول أصوب قياسا على الشك في عدد الركعات وغيرها .

الثالث : إذا أحس الإمام بداخل لا ينتظره عند مالك وح ، قال المازري : وقال سحنون : ينتظره ولـ ش قولان ، لنا لو كان ذلك مشروعا ; لصرف نفوس المصلين إلى انتظار الداخلين فيذهب إقبالهم على صلاتهم وأدبهم مع ربهم ، وقياسا على الفذ إذا أحس بمن يعيد فضيلة الجماعة ، وقد سلمه ش ، احتجوا بالقياس على صلاة الخوف بأنها إعانة على قربة فتكون قربة كتعليم العلم ، وإقراء القرآن وتبليغ الشرائع وليس هذا من باب الإشراك في الأعمال ; لأن ذلك لأغراض دنيوية ورد عليهم أنه تفويت لقربتين القيام والفاتحة في الركعة التي يقضيها المسبوق ، أجابوا بأنه معارض بأن السجود والجلوس حينئذ يكون نفلا ، وعلى ما ذكرناه يكون فرضا والفرض أفضل من النفل ، قلنا بل يأتي بهما بعد سلام الإمام فرضا ومعه نفلا فيكون الجميع .

الرابع : قال في الكتاب : إذا أدركه في السجدة الأخيرة يدخل معه ولا يسجد ما فاته ولا يقضيه ; لما في أبي داود قال عليه السلام : إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة . وقال في العتبية : يرفق في مشيه حتى يرفع ملاحظه ليقي الزيادة في الصلاة .

[ ص: 275 ] الخامس : قال صاحب الطراز : يستحب للمأموم ألا يشرع فيما عدا الإحرام والسلام حتى يشرع الإمام ، وقبله منهي عنه فإن رفع قبل أن يظهر الإمام راكعا أو ساجدا فسدت صلاته ، وإلا أجزأه لحصول الارتباط بذلك الجزء ، وفي مسلم عنه عليه السلام : أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار . ولم يذكر إعادة ، ويرجع ولا ينتظر رفع الإمام ، قاله مالك ، وقال أيضا هو وأشهب : لا يرجع ; لأن الركوع والسجود وقد انعقد فتكراره زيادة في الصلاة ، وقال سحنون : يرجع ويبقى بعد السلام بقدر ما تقدمه الإمام ، وروى ابن حبيب له أن يفعل مع الإمام ما عدا الإحرام والسلام والقيام من اثنتين ، وإن لم يرجع إلى الإمام فصلاته صحيحة على المشهور .

السادس : قال ابن القاسم : في الكتاب إذا نعس خلف الإمام عن ركوع الأولى فإن طمع في السجود سجد ويلغيها ، وإنما يتبع الإمام فيما عدا الأولى ، وقاله ح و ش ، قال صاحب الطراز : وقاله مالك في الغافل والمضغوط ، وقال أشهب ، وابن وهب : يركع ويتبعه في الأولى وغيرها ، ما لم يرفع من السجود ، قال أبو الطاهر : وقيل يتبعه ما لم يعقد الثانية ، وسبب الخلاف : هل القيام فرض على المأمور لا يسقطه إلا عذر السبق فيكون الشروع فيه مانعا من الاتباع أو ليس بفرض قياسا على المسبوق فلا يكون مانعا ، وإذا قلنا بالسجود فقيل السجدتان ، وقيل الواحدة مانعة ; لأنها فرض صحيح ، وإذا قلنا ما لم يعقد الركعة فهل عقدها بوضع اليدين أو الرفع قولان ، وقيل لا يتلافى في الأولى ولا في غيرها ; لأن المشروع عقيبه وهذا قد فات . ووجه الأول قوله عليه [ ص: 276 ] السلام : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا . وقد فاته الركوع فيجب عليه قضاؤه ; لأنه يترك متابعة الإمام في واجب ، وقياسا على المسبوق ، ووجه الثاني ما في مسلم أنه - عليه السلام - صفهم في صلاة الخوف صفين فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة ، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ، ثم سلم وهذا أصل فيمن أحرم مع الإمام وعاقه عذر عن الركوع حتى ركع فإنه يركع ويتبعه ، قال : فلو ركع في الأولى ونعس عن سجودها فعن مالك و ش أنه كالركوع ، وعن مالك أيضا وأشهب وح الفرق ، وجه الأول أنها إنما تكمل بسجودها . وجه الثاني ما في مسلم أنه - عليه السلام - صلى بعسفان صلاة الخوف والعدو تجاههم فأحرم بالصفين ، فلما ركعوا سجد بأحدهما ، ولم يسجد الثاني حتى قام - عليه السلام - إلى الثانية وهو أصل في كل من عاقه عذر بعد الركوع عن السجود ، قال صاحب الطراز : وفرق ابن عبد الحكم بين الجمعة وغيرها لتأكد الجماعة في الجمعة ، قال : فلو نعس في الرابعة عن الركوع لا يكون السلام مانعا عند ابن القاسم وأشهب ، وقال ابن القاسم : في الكتاب إذا زوحم يوم الجمعة عن السجود في الأولى حتى ركع الإمام في الثانية ، وعنه في الثانية حتى سلم يصلي ظهرا أربعا ، وقال ابن حبيب : يتبعه ولو أدرك الأولى وزوحم عن سجود الثانية حتى سلم الإمام ، فقيل يستأنف الركعة بناء على أن [ ص: 277 ] السلام بمنزلة الركعة ، قال : وحيث قلنا يبني الناعس ، فسوى ابن القاسم بين المزاحم وح وش ولابن القاسم أيضا لا يبني في المزاحم ; لأنه صنع للآدمي .

السابع : قال في الكتاب : إذا أدرك مع الإمام ثلاثا قام بغير تكبير ; لأن الإمام حبسه وليس له بجلوس ، بخلاف ما لو أدرك اثنتين ، وضابط ذلك أن من أدرك فردا قام بغير تكبير أو زوجا قام بتكبير ، قال صاحب الطراز : قال ابن حبيب : إذا أدرك وترا قام بتكبير ; لأنه متنفل ، وجه المذهب أنه زيادة على تكبير الصلاة فيفتقر إلى نص ، قال : وقال مالك في العتبية : يقوم بغير تكبير في الشفع بناء على أنه قاض للماضيتين ، والذي شرع في أولهما تكبيرة الإحرام وقد تقدمت فإن أدركه في الجلوس الأخير ، قال في الكتاب : يقوم بتكبير خلافا للشافعية محتجين بأنه قد كبر قائما ولم يشرع في أول الصلاة غير تكبيرة ، جوابهم أنه الآن كما شرع في أول صلاته ولم يكبر فيكبر ، قال صاحب الطراز : ويتخرج على قول مالك في العتبية أنه لا يكبر إذا أدرك شفعا أنه لا يكبر هاهنا ، وقال مالك في المختصر : إن وجده جالسا كبر للإحرام فقط أو راكعا أو ساجدا كبر للإحرام والركوع والسجود ، وقاله ش في الجلوس ، واختلف أصحابنا في الركوع والسجود ، والفرق أن التكبير مشروع للوصول في الركوع والسجود والخروج منهما فمن دخل مع الإمام فيهما كبر لهما ، وأما القيام والجلوس فليس لهما تكبير فالداخل فيهما لا يكبر ، وإذا جلس معه يتشهد ، قاله صاحب الطراز خلافا لبعض الشافعية لقوله عليه السلام : ما أدركتم فصلوا . قال : فلو وجده في جلوس [ ص: 278 ] الصبح يحرم ويجلس إلا أن يكون لم يركع الفجر فيجلس ولا يحرم ، فإذا سلم ركع الفجر وأحرم .

الثامن : قال في الكتاب : إذا أدرك الأخيرة من الرباعية قرأ فيها بأم القرآن وحدها ، وفي التي بعد سلام الإمام بالحمد وسورة ويجلس ، ثم بالحمد وسورة ، ثم بالحمد وحدها ويقضي ما فاته جهرا إن كان جهرا ، واتفق أرباب المذهب على أن من فاته ركعتان قضاهما بالحمد وسورة ، وقال صاحب النوادر : ولا خلاف بين مالك وأصحابه أن القاضي إنما يفارق الباني في القراءة فقط ، وفي الجواهر اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب على ثلاث طرق ، طريقة أبي محمد وجل المتأخرين أن المذهب على قول واحد في البناء في الأفعال ، والقضاء في الأقوال ، وطريقة القرويين أن المذهب على قولين في القراءة خاصة ، وعلى قول واحد في الجلوس ، وطريقة اللخمي أن المذهب على ثلاثة أقوال : بان في الأفعال والأقوال ، وقاض فيهما ، وقاض في القراءة فقط .

تنبيه :

يقال أفعال الصلاة كلها واجبة إلا ثلاثة : رفع اليدين مع تكبير الإحرام ، والجلسة الوسطى ، والتيامن في السلام ، وأقوال الصلاة كلها ليست بواجبة إلا ثلاثة : تكبيرة الإحرام ، وقراءة الحمد ، والسلام ، ولما اختلفت روايات الحديث في القضاء والبناء جمع بين الروايتين بتخصيص القضاء بالأقوال ; لضعفها بكثرة عدم الوجوب فيها ، قال صاحب الطراز : ولا يقنت المسبوق في قضاء الصبح على ما في الكتاب ; لأنه قاض لما فاته وعلى القول الآخر يقنت ، قال : وقد قال في الكتاب : إذا أدرك ركعة من ركعات المغرب صارت صلاته جلوسا كلها .

[ ص: 279 ] وهذا لا خلاف فيه ، وبه استدل أصحابنا والشافعية على الحنفية حيث جعلوه إذا أدرك الرابعة جعلها آخر صلاته ويبتدئ بالثالثة القضاء بغير قراءة ; لأن القراءة لا تجب عنده في الآخرتين ، ثم بالأولى بالقراءة وأما الرباعية فلا تصير جلوسا كلها إذا فاتته الأولى أدرك الثانية وفاته الباقي برعاف ، أو أدرك المقيم خلف المسافر ركعة ، قال ابن حبيب وابن المواز : يأتي بالثانية ويجلس وبالثالثة يجلس ; لأن منها يقوم إلى قضاء الأولى عندهما ، وعند سحنون لا يجلس .

التاسع : قال ابن القاسم في العتبية : إذا استفهم الإمام بركعتين ، فأفهم بعضهم فيهما بعد سلامه أحب إلي أن يعيدوا بعد الوقت ، وكذلك إذا كانوا مقيمين ومسافرين فقدم المقيمون أحدهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية