الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 43 ] 12346 - قال مالك ، في رجل كانت له خمسة دنانير من فائدة ، أو غيرها فتجر فيها ، فلم يأت الحول حتى بلغت ما تجب فيه الزكاة : إنه يزكيها . وإن لم تتم إلا قبل أن يحول عليها الحول بيوم واحد ، أو بعد ما يحول عليها الحول بيوم واحد ، ثم لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول ، من يوم زكيت .

[ ص: 44 ] 12347 - وقال مالك ، في رجل كانت له عشرة دنانير فتجر فيها فحال عليها الحول ، وقد بلغت عشرين دينارا : إنه يزكيها مكانها . ولا ينتظر بها أن يحول عليها الحول ، من يوم بلغت ما تجب فيه الزكاة .


12348 - قال أبو عمر : قوله في الخمسة الدنانير والعشرة الدنانير سواء في إيجاب الزكاة في ربح المال يحول على أصله الحول ، وإن لم يكن الأصل نصابا قياسا على نسل الماشية التي تعد على صاحبها ويكمل النصاب [ ص: 45 ] بها ، ولا يراعى بها حلول الحول عليها ، وربح المال عنده كأصله خلافا لسائر الفوائد .

12349 - وإنما حمله والله أعلم على قياس ربح المال على نسل الماشية ، وقوة ذلك الأصل عنده ، وإن كان مختلفا فيه ؛ لأنه روي عن عمر أنه كان يأمر السعاة يعدون السخال مع الأمهات على ما يأتي في بابه من زكاة المواشي وباقي الاختلاف في ذلك الأصل هناك إن شاء الله .

12350 - وقول مالك رحمه الله في ربح المال الذي ليس بنصاب لم يتابعه عليه غير أصحابه . وقاسه على ما لا يشبهه في أصله ولا فرعه وهو أيضا قياس أصل على أصل ، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض ؛ وإنما يرد إلى الأصل فرعه ، وبالله التوفيق .

12351 - قال أبو عبيد القاسم بن سلام : لا نعلم أحدا قال هذا القول - قول مالك - ولا فرق أحد بين ربح المال وغيره من الفوائد غيره .

12352 - قال : وأما سفيان وأهل العراق وأكثر أهل الحجاز عن مالك ومن قال بقوله فليس عندهم فرق بين ربح المال وسائر الفوائد من هبة أو ميراث أو تجارة وغير ذلك بعد أن لا تكون تلك الزيادة في مثلها الزكاة .

12353 - قال : وكذلك هو عندنا نرى أن ما في المال والنتاج كغيرها من الفوائد ؛ لأن ذلك كله هبة من هبات الله وسببه الذي نعتبره عبادة .

[ ص: 46 ] 12354 - قال أبو عمر : اختلاف العلماء في النتاج لا يشبه اختلافهم في ربح المال وسترى ذلك في باب زكاة المواشي إن شاء الله .

12355 - والذي قاله أبو عبيد في ربح المال عن مالك أنه لم يتابعه عليه إلا أصحابه فليس كما قال ، وقد قال بقول مالك في ذلك الأوزاعي ، وأبو ثور ، وطائفة من السلف .

12356 - قال الوليد بن يزيد : سمعت الأوزاعي يقول : أما الفائدة التي يعطاها الرجل وليس عنده أصلها .

12357 - وقال أبو ثور : إذا كانت الفائدة ربحا زكاها مع الأصل وإلا لم يزكه .

12358 - وكذلك قال أحمد بن حنبل في ذلك . قال أحمد بن حنبل : لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول . قال : والمستفاد من العطاء والهبة ، ونحو ذلك ، وأما ربح المال فليس بمستعار .

12359 - قال أبو عمر : هولاء كلهم ، لا يوجبون في الربح زكاة حتى يكون أصله نصابا ؛ وإنما أنكر أبو بكر والله أعلم في قول مالك - قوله فيما دون النصاب يتجر به فيصير نصابا قبل الحول بأيام .

12360 - وما أظنه أنكر ما يكون من الربح في النصاب كما قال مالك : خمسة دنانير أو عشرة دنانير فيتجر فيها فتتم عنده الحول نصابا فيزكيها . فلا يقول غير مالك وأصحابه - والله أعلم - إلا ما ذهب إليه [ ص: 47 ] الأوزاعي في مراعاة نصف النصاب دون ما هو أقل منه على ما نذكره بعد عنه إن شاء الله .

12361 - ذكر أبو عبيد عن معاذ ، عن ابن عون ، قال : أتيت المسجد وقد قرئ كتاب عمر بن عبد العزيز ; فقال لي صاحب لي : لو شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار أن لا تعرض حتى يحول عليها الحول .

12362 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن قطن بن فلان قال : مررت بواسط زمن عمر بن عبد العزيز ; فقالوا : قرئ علينا كتاب أمير المؤمنين أن لا نأخذ من أرباح التجار شيئا حتى يحول عليها الحول .

12363 - وروى هشيم قال : أخبرنا حميد الطويل قال : كتب عمر بن عبد العزيز : ألا تأخذوا من أرباح التجار شيئا حتى يحول عليها الحول .

12364 - وذكر الساجي ، قال : حدثنا معاذ ، عن ابن عون ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار أن لا يعرض لهم فيها حتى يحول عليها الحول .

12365 - قال أبو عمر : هذا قول الشافعي في ربح المال وسائر الفوائد كلها يستأنف الحول فيها على ما وردت به السنة .

12366 - وقال جمهور الصحابة : إنه لا زكاة في مال حتى يحول الحول .

التالي السابق


الخدمات العلمية