الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 270 ] ( 22 ) باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول

13271 - قال مالك : السنة التي لا اختلاف فيها عندنا ، والذي سمعت من أهل العلم ، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه .

13272 - قال : ولا في القضب ولا في البقول كلها صدقة . ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة ، حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها ويقبض صاحبها ثمنها .


13273 - قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين أهل المدينة أنه ليس في البقول صدقة على ما قال مالك رحمه الله .

13274 - وأما أهل الكوفة فإنهم يوجبون فيها الزكاة على ما قد مضى ذكره عنهم .

13275 - واحتج بعض أتباعهم لهم بحديث صالح بن موسى ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت :

13276 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فيما أنبتت الأرض من الخضر الزكاة " .

[ ص: 271 ] 13277 - وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور واحد هكذا ؛ وإنما هو من قول إبراهيم .

13278 - وقد روي عن نافع صاحب مالك ، قال : حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة ، عن عمه موسى بن طلحة ، عن معاذ بن جبل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " .

13279 - يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب ، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب والخضر فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

13280 - وهذا حديث أيضا لا يحتج بمثله ؛ وإنما أصل هذا الحديث ما رواه الثوري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن موسى بن طلحة : أن معاذا لم يأخذ من الخضر صدقة .

13281 - وموسى بن طلحة لم يلق معاذا ولا أدركه ، ولكنه من الثقات الذين يجوز الاحتجاج بما يرسلونه عند مالك وأصحابه ، وعند الكوفيين أيضا .

13282 - قال أبو عمر : ليس الزيتون عندهم من هذا الباب وأدخل التين في هذا الباب ، وأظنه والله أعلم ، بأنه ييبس ويدخر ويقتات ، ولو علم [ ص: 272 ] ذلك ما أدخله في هذا الباب ؛ لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه بالرمان والفرسك ( وهو الخوخ ) .

13283 - ولا خلاف عن أصحابه أنه لا زكاة في اللوز ولا الجوز وما كان مثلهما ، وإن كان ذلك يدخر ، كما أن لا زكاة عندهم في الأنماص ولا في التفاح ، ولا الكمثرى ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ولا يدخر .

13284 - واختلفوا في التين ، فالأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا زكاة عندهم في التين إلا عبد الله بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة على مذهب مالك قياسا على التمر والزبيب .

13285 - وإلى هذا ذهب جماعة من البغداديين المالكيين ، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه .

13286 - وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون به ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم .

13287 - والتين مكيل يراعى فيه الأوسق الخمسة وما كان مثلها وزنا ، ويحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع عليهما .

13288 - وأما البقول والخضر والتوابل فلا زكاة في شيء منها عند مالك ولا عند أحد من أصحابه .

13289 - وقال الأوزاعي : الفواكه كلها لا تؤخذ الزكاة منها ، ولكن [ ص: 273 ] تؤخذ من أثمانها إذا بيعت بذهب أو فضة .

13290 - وقال الشافعي : لا زكاة في شيء مما تثمره الأشجار إلا النخل والعنب ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما ، وكانا بالحجاز قوتا يدخر .

13291 - قال : وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما ؛ لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا كما علمت ؛ وإنما كانا فاكهة .

13292 - ولا زكاة في الفواكه ولا في البقول كلها ولا في الكرسف ولا القثاء والبطيخ ؛ لأنها فاكهة ، ولا في الرمان والفرسك ولا في شيء من الثمار غير التمر والعنب .

13293 - قال : والزيتون إدام مأكول بنفسه فلا زكاة فيه .

13294 - قال أبو عمر : هذا قوله بمصر ، وعليه أكثر أصحابه في الزيتون ، وله قول آخر ، قد ذكرناه عنه ، كان يقوله ببغداد قبل نزوله مصر .

13295 - وقول أبي يوسف ومحمد وأبي ثور في هذا الباب كله مثل قول الشافعي المصري ، ويراعون فيما يرون فيه الزكاة خمسة أوسق في الحنطة والشعير والسلت والتمر والزبيب والأرز والسمسم وسائر الحبوب .

[ ص: 274 ] 13296 - وأما الخضر كلها والفواكه التي ليست لها ثمرة باقية كالبطيخ فإنه لا عشر فيها ولا نصف عشر ، وذلك بعد أن يرفع في أرض عشر دون أرض خراج .

13297 - وكان محمد بن الحسن يرى الزكاة في القطر ، وفي الزعفران ، والورس ، والعصفر ، والكتان ويعتبر في العصفر والكتان البذر ، فإذا بلغ قدرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعا للبذر ما وجد العشر أو نصف العشر .

13298 - وأما القطن فليس عنده في خمسة أحمال منه شيء والحمل ثلاثمائة من العراقي ، والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منهما شيء ، فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة عشرا ، ونصف عشر .

13299 - وقال أبو حنيفة : الزكاة واجبة في الفواكه كلها الرمان والزيتون والفرسك ، وكل ثمرة ، وكذلك كل ما تخرج الأرض وتنبت من البقول ، والخضر كلها والثمار إلا القصب والحطب والحشيش .

13300 - وحجته قول الله عز وجل : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ، ( الأنعام : 141 ) .

13301 - قال : وحقه الزكاة .

[ ص: 275 ] 13302 - ومن حجته أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء والبعل العشر . . " ، الحديث .

13303 - ولا يراعي أبو حنيفة إلا خمسة الأوسق من غير الحبوب والتمر والزبيب ، بل يرى في كل شيء عشره حتى في عشر قبضات من البقل قبضة .

13304 - وهو قول إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان .

13305 - واختلفوا في العنب الذي لا يزبب والرطب الذي لا يتمر .

13306 - وقال مالك في عنب مصر لا يتزبب ونخيل مصر لا يتمر وزيتون مصر لا يعصر : ينظر إلى ما يرى أنه يبلغ خمسة أوسق وأكثر فيزكي ثمن ما باع من ذلك بذهب أو ورق وبلغ مائتي درهم أو عشرين دينارا أو لم يبلغ إذا بلغ خمسة أوسق .

13307 - قال مالك : وكذلك العنب الذي لا يخرص على أهله ؛ وإنما يبيعونه عنه كل يوم في السوق حتى يجتمع من ثمن ما باع من ذلك الشيء الكثير فإنه يخرج من ذلك العشر أو نصف العشر إذا كان فيه خمسة أوسق .

13308 - وقال الشافعي : إذا كان النخل يأكله أهله رطبا أو [ ص: 276 ] يطعمونه ، فإن كان خمسة أوسق وأكلوه أو أطعموه ضمنوا عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا .

13309 - قال : فإن كان النخل لا يكون رطبه تمرا أحببت أن يعلم ذلك الوالي ليأمر من يبيع عشره رطبا . فإن لم يفعل خرصه ، ثم صدق ربه بما بلغ رطبه وأخذ عشر الرطب ثمنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية