الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
760 [ ص: 165 ] ( 14 ) باب إهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم

721 - ذكر فيه مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ; أن عمر بن الخطاب قال : يا أهل مكة . ما شأن الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون ؟ أهلوا ، إذا رأيتم الهلال .

722 - وعن هشام بن عروة ; أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع سنين . يهل بالحج لهلال ذي الحجة . وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك .

15848 - قال مالك : وإنما يهل أهل مكة وغيرهم بالحج إذا كانوا بها . ومن كان مقيما بمكة من غير أهلها من جوف مكة لا يخرج من الحرم .


15849 - قال أبو عمر : ما جاء عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير في إهلال أهل مكة اختيار واستحباب ليس على الإلزام والإيجاب ; لأن الإهلال إنما يجب على من يتصل به عمله في الحج لا على غيره ; لأنه ليس من السنة أن يقيم المحرم في أهله .

15850 - والأصل في هذا حديث مالك ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبيد [ ص: 166 ] بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر : " رأيتك تفعل أربعة لم أر أحدا من أصحابك يفعلها . . . " ، فذكر منها ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت إلى يوم التروية ، فأجابه ابن عمر أنه لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل إلا حين انبعثت به راحلته .

15851 - يريد ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - أهل من ميقاته في حين ابتدائه عمل حجته .

15852 - وفي حديث عبيد بن جريج هذا على أن الاختلاف في هذه المسألة قديم بين السلف وأن ابن عمر لم ير أحدا حجة على السنة ، ولا التفت إلى عمل من عمل عنده بغيرها ، وإن كان أبوه ( رضي الله عنه ) كان يأمر أهل مكة بخلاف ذلك .

15852 م - وقد تابع ابن عمر في هذه المسألة جماعة ، منهم : ابن عباس وغيره .

15853 - ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أبيه ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : لا يهل أحد بالحج من مكة حتى يروح إلى منى .

15854 - قال : وأخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرنا عطاء وجه إهلال أهل مكة حين تتوجه به دابته نحو منى ، فإن كان ماشيا فحين يتوجه نحو منى .

15855 - قال ابن جريج : وقال لي عطاء : إنما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ دخلوا في حجتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عشية التروية حتى توجهوا إلى منى .

[ ص: 167 ] 15856 - قال ابن جريج : وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحكي عن حجة النبي ( عليه السلام ) ، قال : فأمرنا بعد ما طفنا أن نحل ، وقال : " إذا أردتم أن تحلوا إلى منى فانطلقوا " .

15857 - قال أبو عمر : لما فسخوا حجهم في عمرة ، وحلوا إلى النساء صاروا كأهل مكة في اطراح الشعث والتفث ومس النساء ، فإذا كانت السنة فيهم ألا يهلوا إلى يوم التروية فكذلك أهل مكة .

15858 - وهذا خلاف ما روي عن ابن عمر ، وابن الزبير من رواية مالك وغيره ، ولا وجه لقول عمر عندي إلا الاستحباب كما وصفنا ، وبالله توفيقنا .

15859 - وقد روي عن ابن عمر ما يوافق قول عمر لأهل مكة وفعل ابن الزبير . ذكره مالك في موطئه أن عبد الله بن عمر كان يهل لهلال ذي الحجة من مكة ويؤخر الطواف بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى .

15860 - وذكر عبد الرزاق ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، قال : أهل ابن عمر بحجة حين رأى الهلال من جوف الكعبة ، ومرة أخرى حين انطلق إلى منى .

15861 - وأخبرنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه أهل بالحج من مكة ثلاث سنوات .

15862 - وعن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله .

15863 - وعن ابن جريج ، عن مجاهد نحوه .

[ ص: 167 ] 15864 - قال مجاهد : فقلت لابن عمر : قد أهللت فينا إهلالا مختلفا ؟ قال : أما أول عام فأخذت بأخذ بلدي ، ثم نظرت فإذا أنا أدخل على أهلي حراما وأخرج حراما وليس كذلك كنا نصنع ، إنما كنا نهل ثم نجعل على شأننا . قلت : فبأي شيء تأخذ ؟ قال : نحرم يوم التروية .

15865 - قال : وأخبرنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : إن شاء المكي أن لا يحرم بالحج إلا يوم منى يعمل .

15866 - أخبرنا هشام بن حسان ، قال : كان عطاء بن أبي رباح يعجبه أن يهل إذا توجه إلى منى .

15867 - قال : وقال عطاء : إذا أحرم يوم التروية فلا يطوف بالبيت حتى يروح إلى منى .

15868 - قال هشام : وقال الحسن : أي ذلك فعل فلا بأس إن شاء أهل حين يتوجه إلى منى ، وإن شاء قبل ذلك ، وإذا أهل قبل يوم التروية فإنه يطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، يعني إن شاء .

15869 - وليس طوافه ذلك له بلازم ولا سنة ; لأنه طواف سنة لقادم مكة من غيرها من الآفاق .

15870 - وأما قول مالك في هذا الباب أن المكي لا يخرج من مكة للإهلال ولا يهل إلا من جوف مكة ، فهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه ، وليس كالمعتمر عند الجميع ، لأن الشأن في الحاج والمعتمر أن يجمع بين الحل والحرم ، فأمروا المعتمر المكي أو من كان بمكة أن يخرج إلى الحل ; لأن عمرته تنقضي بطوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة ، والحاج لا بد له من عرفة وهي حل فيحصل بذلك له الجمع بين [ ص: 169 ] الحل والحرم ، ولذلك لم يكن الخروج إلى الحل ليهل منه بخلاف المعتمر .

15871 - وأما قول مالك في هذا الباب : من أهل من مكة بالحج فليؤخر الطواف بالبيت والسعي من الصفا والمروة حتى يرجع من منى .

15872 - قال : وكذلك صنع عبد الله بن عمر ، وفعله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أهلوا بمكة لم يطوفوا ولم يسعوا حتى رجعوا بمكة .

15873 - فإن ما ذكره عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن ابن عمر أيضا ، فالآثار به متواترة محفوظة صحاح ، وأهل العلم كلهم قائمون به ، لا يرون على المكي طوافا إلا الطواف المفترض ، وهو طواف الإفاضة عند أهل الحجاز . ويسميه أهل العراق : الطواف .

15874 - وأما الطواف الأول وهو دخول طواف الدخول فساقط عند المكي ، وساقط عن المراهن الذي يخاف وقت الوقوف قبل الفجر من ليلة النحر ، ويصل المكي والمراهن طواف الإفاضة بالسعي بين الصفا والمروة ; لأن الطواف الأول هو الوصول به السعي لمن قدم مكة ودخلها ساعيا أو معتمرا .

15875 - وذكر ابن الحكم وغيره ، عن مالك : من أحرم من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى منى لزمه أن يطوف بعد الرمي والسعي ، فإن لم يعد الطواف حتى رجع إلى بلده أجزى .

15876 - وأما قول مالك : لا يهل الرجل من أهل مكة حتى يخرج إلى الحل فيحرم منه ، فقد ذكرت لك أن ذلك إجماع من العلماء لا يختلفون فيه - والحمد لله - ; لأن العمرة زيارة البيت ، وإنما يزار الحرم من خارج الحرم كما يزار المزور في بيته من [ ص: 170 ] غير بيته ، وتلك سنة الله في المعتمرين من عباده .

15877 - واختلفوا فيمن أهل بالعمرة من مكة فقالت طائفة : يخرج إلى الميقات أو إلى الحل فيحرم منه بعمرة ، وإن لم يخرج وطاف وسعى فعليه دم لتركه الخروج إلى الحل .

15878 - هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، وابن القاسم وأبي ثور ، وهو أحد قولي الشافعي .

15879 - وللشافعي قول آخر أنه لا يجزئه وعليه الخروج إلى الحل والإهلال منه بالعمرة وغيرها .

15880 - وهو قول الثوري ، وأشهب ، والمغيرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية