الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
762 [ ص: 171 ] ( 55 ) باب ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي

723 - مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ; أنها أخبرته : أن زياد بن أبي سفيان ، كتب إلى عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم [ ص: 172 ] على الحاج ، حتى ينحر الهدي . وقد بعثت بهدي . فاكتبي إلي بأمرك . أو مري صاحب الهدي .

قالت عمرة ، قالت عائشة ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي [ ص: 173 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي . ثم قلدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ثم بعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أبي . فلم يحرم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء أحله الله له ، حتى نحر الهدي
.

724 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ; أنه قال : سألت عمرة بنت عبد الرحمن عن الذي يبعث بهديه ويقيم . هل يحرم عليه شيء ؟ فأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول : لا يحرم إلا من أهل ولبى .

[ ص: 174 ] 725 - عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير ; أنه رأى رجلا متجردا بالعراق . فسأل الناس عنه . فقالوا : إنه أمر بهديه أن يقلد ، فلذلك تجرد .

قال ربيعة : فلقيت عبد الله بن الزبير ، فذكرت له ذلك . فقال : بدعة . ورب الكعبة .


15881 - قال أبو عمر : قد روى حديث عائشة المسند في أول الباب : ابن جريج ، وغيره .

15882 - ورواه أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة .

15883 - ورواه : الأسود ، عن عائشة .

15884 - ومسروق عن عائشة ، من أئمة أهل الحديث بالكوفة .

15885 - وهو حديث مجتمع على إسناده .

15886 - واختلف في معنى هذا الحديث .

15887 - فقال جماعة من أهل العلم ، منهم : عطاء ، وسعيد بن جبير : إذا قلد الحاج هديه فقد أحرم وحرم عليه ما يحرم على الملبي بالحج .

[ ص: 175 ] 15888 - وكذلك إذا أشعر هديه .

[ ص: 176 ] 15889 - واختلفوا في تحليله ، فمنهم من قال : الإحلال كالتقليد والإشعار . ومنهم من أباه .

15890 - وقالت طائفة : لا يكون محرما إلا من أحرم ولبى كما روي عن عائشة .

15891 - وقال آخرون : إذا نوى بالتقليد الحج أو العمرة فهو محرم وإن لم يلب .

15892 - وهذا كله عنهم في معنى قول الله - تعالى - : ( فمن فرض فيهن الحج ) [ البقرة : 197 ] .

15893 - وكلهم يستحب أن يكون إحرام الحج وتلبيته في حين تقليده الهدي [ ص: 177 ] وإشعاره .

15894 - وقالت طائفة : منهم ابن عمر كقول ابن عباس : من قلد هديه سواء خرج معه أو بعث وأقام وهو يفعله يحرم عليه ما يحرم على المحرم .

15895 - وسئل مالك عمن خرج بهدي لنفسه ، فأشعره وقلده بذي الحليفة ، ولم يحرم هو حتى جاء الجحفة . قال : لا أحب ذلك ، ولم يصب من فعله ، ولا ينبغي له أن يقلد الهدي ، ولا يشعره إلا عند الإهلال . إلا رجل لا يريد الحج ، فيبعث به ويقيم في أهله .

15896 - . قال أبو عمر : يعني حالا .

15897 - وسئل مالك : هل يخرج بالهدي غير محرم ؟ فقال : نعم . لا بأس بذلك .

15898 - وسئل أيضا : عما اختلف فيه الناس من الإحرام لتقليد الهدي ، ممن لا يريد الحج ولا العمرة . فقال الأمر عندنا الذي نأخذ به في ذلك ، قول عائشة أم المؤمنين : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بهديه ثم أقام . فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له ، حتى نحر هديه .

15899 - قال أبو عمر : في حديث عائشة المسند في هذا الباب من الفقه : أن عبد الله بن عباس كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده أن يحرم ، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج . حتى ينحر هديه .

[ ص: 178 ] 15900 - وتابع عبد الله بن عباس على ذلك : عبد الله بن عمر . وطائفة ، منهم : قيس بن سعد ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير على اختلاف عنه .

[ ص: 179 ] 15901 - روى سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : أخبرني قيس بن سعد بن عبادة أن بدنه قلدت ورأسه في حجر جاريته فانتزعه .

15902 - وممن قال بهذا : ميمون بن أبي شبيب ، قال : من قلد ، أو أشعر ، أو جلل ، فقد أحرم .

15903 - وروي بمثل ذلك أثر مرفوع من حديث عمر ، عن النبي ( عليه السلام ) .

15904 - وفيه : أنهم كانوا يختلفون في مسائل الفقه ، وعلوم الديانة فلا يعيب بعضهم بعضا لأكثر من رد قوله ومخالفته إلى ما عنده من السنة في ذلك .

15905 - وفيه : ما كانوا عليه من الاهتبال بأمر الدين ، والكتاب فيه إلى البلدان .

15906 - وفيه : عمل أزواج النبي ( عليه السلام ) بأيديهن وامتهانهن أنفسهن ، وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتهن نفسه في عمل بيته فربما خاط ثوبه وخصف نعله ، وقلد هديه المذكور في هذا الحديث بيده ( عليه السلام ) .

15907 - وفيه : أن تقليد الهدي لا يوجب على صاحبه الإحرام .

15908 - وهذا المعنى الذي سبق له هذا الحديث ، وهو الحجة عند الشارع .

[ ص: 180 ] 15909 - وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال مالك ما ذكره في موطئه ، وبه قال الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، والأوزاعي ، والليث ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وداود : كل هؤلاء يقول بحديث عائشة : أن التقليد لا يوجب الإحرام على من لم ينوه .

15910 - هذه جملة أقوالهم ، وأما تفصيلها ، ف :

قال الثوري : إذا قلد الهدي فقد أحرم إن كان يريد الحج أو العمرة ، وإن كان لا يريد ذلك فليبعث بهديه وليقم حلالا .

15911 - وقال الشافعي ، وأبو ثور ، وداود : ولا يكون أحد محرم بسياقة الهدي ولا بتقليده ، ولا يجب عليه بذلك : إحرام حتى ينويه ويريده .

15912 - وقال أبو حنيفة : من ساق هديا وهو يؤم البيت ثم قلده ، فقد وجب عليه الإحرام ، وإن جلل الهدي ، أو أشعره لم يكن محرما ، وإنما يكون محرما بالتقليد .

15913 - وقال : إن كانت معه شاة فقلدها لم يجب عليه الإحرام ; لأن الغنم لا تقلد .

15914 - وقال : إن بعث بهديه فقلده وأقام حلالا ، ثم بدى له أن يخرج فخرج واتبع هديه ، فإنه لا يكون محرما حين يخرج ، وإنما يكون محرما إذا أدرك هديه وأخذه وسار به وساقه معه .

15915 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : وإن بعث بهدي لمتعة ، [ ص: 181 ] ثم أقام حلالا أياما ، ثم خرج وقد كان قلد هديه فهو محرم حين يخرج . ألا ترى أنه بعث بهدي المتعة .

15916 - قال أبو عمر : روي عن عطاء نحو مذهب ابن عباس ومن قال بقوله .

15917 - روى القطان ، وعبد الرزاق ، وهشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، قال ، قال عطاء : أما الذي قلد الهدي فقد أحرم .

15918 - قال : ومثل التقليد فرض الرجل هديه ، ثم يقول : أنت هدي ، أو قد أهديتك .

15919 - قال : وبمنزلة ذلك المجلل ، والإشعار .

15920 - ويحتمل هذا من قول عطاء أن ينوي فعل ذلك أو يتوجه مع هديه .

15921 - قال أبو عمر : وأما حديث جابر الذي ذهب إليه من اتبع ابن عباس ، وابن عمر رواه أسد بن موسى وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبببة عن عبد الملك بن جابر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا فقد قميصه من جنبه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي ( عليه السلام ) ، فقال : " أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي " .

15922 - فذهب قوم إلى أن الرجل إذا بعث بهديه وأقام في أهله فقلد الهدي [ ص: 182 ] وأشعره أنه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم .

15923 - واحتجوا بهذا الحديث وبقول ابن عباس في حديث مالك : " من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج " .

15924 - وعبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة شيخ من أهل المدينة روى عنه سليمان بن بلال ، والدراوردي ، وداود بن قيس ، وحاتم بن إسماعيل ، إلا أنه ممن لا يحتج به فيما ينفرد به ، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه ؟ ولكنه قد عمل بحديثه بعض الصحابة ( رضي الله عنهم ) .

15925 - روى معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين : أن ابن عباس بعث بهديه ، ثم وقع على جارية له ، فأتى مطرف بن الشخير في المنام فقيل له : ائت ابن عباس فمره أن يطهر فرجه فأبى أن يأتيه فأتى الليلة الثانية فقيل له مثل ذلك فأبى أن يأتيه ، فأكثر الليلة الثالثة وقيل له قول فيه بعض الشدة ، فلما أصبح أتى ابن عباس فأخبره بذلك ، فقال ابن عباس : وما ذلك ؟ ثم ذكر ، فقال : إني وقعت على فلانة بعد ما قلدت الهدي ، فكتب ذلك اليوم الذي وقع عليها ، فلما قدم ذلك الرجل الذي بعث معه الهدي سأله : أي يوم قلدت الهدي ؟ فأخبره ، ( فإذا هو قد ) وقع عليها [ ص: 183 ] بعدما قلد الهدي ، فأعتق ابن عباس جاريته تلك .

15926 - وروى ابن جريج ، وأيوب ، وعبيد الله بمعنى واحد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إذا قلد الرجل هديه فقد أحرم ، والمرأة كذلك ، فإن لم يحج فهو حرام حتى ينحر هديه .

15927 - وروى أبو العالية عن ابن عمر خلاف ما روى نافع عنه .

15928 - ذكر معمر ، عن أيوب ، عن أبي العالية ، قال : سمعت ابن عمر يقول : تقولون : إذا بعث الرجل الهدي فهو محرم ، والله لو كان محرما ما كان يدخل دون أن يطوف بالبيت .

قال أيوب : فذكرته لنافع ; فأنكره .

15929 - قال أبو عمر : اختلف على ابن عمر في هذا الباب ولم يختلف على ابن عباس ، ونافع أثبت في ابن عمر من أبي العالية وأعلم به ، وهذا ما لا يختلف أهل العلم بهذا الشأن فيه ، إلا أن الذي حكاه أبو العالية عن ابن عمر قول صحيح في النظر ، وهو الثابت في الأثر من حديث عائشة عن النبي ( عليه السلام ) أنه لم يحرم عليه شيء أحله الله في حين قلد هديه وبعث إلى مكة به .

15930 - وعلى القول بحديث عائشة دون حديث ابن أبي لبيبة : جمهور أهل العلم ، وأئمة الفتوى بالأمصار على ما ذكرناه عنهم في هذا الباب .

15931 - وفي حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد حديث أم سلمة عن النبي ( عليه السلام ) أنه قال : " إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره " لأن في هذا الحديث النهي من أن يأخذ في العشر من ذي الحجة [ ص: 184 ] من ظفره أو من شعره كل من أراد أن يضحي ، والهدي في حكم الضحية .

15932 - وفي حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد تقليده الهدي لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم ، فهو معارض لأم سلمة ، وهو أثبت منه وأصح ; لأن طائفة من أهل العلم بالنقل تقول : إن عمر بن مسلم شيخ مالك مجهول ، يقول فيه شعبة وبعض أصحاب مالك عن مالك : عمرو بن مسلم . وكذلك قال فيه سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة ، عن النبي ( عليه السلام ) .

15933 - وقال فيه ابن وهب عن مالك ، عن عمرو بن مسلم ، وتابعه جماعة من أصحاب مالك .

15934 - وكذلك قال فيه محمد بن عمر ، عن عمر بن مسلم بن عمارة بن أكيمة .

15935 - حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا عمر بن محمد بن القاسم [ ص: 185 ] ومحمد بن أحمد بن كامل ، ومحمد بن أحمد بن المنصور ، قالوا : حدثنا بكر بن سهل ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا مالك ، عن عمر ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من رأى هلال ذي الحجة فأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا " .

15936 - ورواه القعنبي ، وأبو مصعب ، وأبو بكير عن مالك ، وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في غير هذا الموضع إلا أنه ليس عند أكثر رواة " الموطأ " .

15937 - وقد رواه شعبة عن مالك ، حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن العسكري ، قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري بمصر ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن مالك بن أنس ، عن عمر بن سلم ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من رأى منكم هلال ذي الحجة فأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا .

15938 - قال أبو عمر : ترك مالك أن يحدث بهذا الحديث في آخر عمره ، وقاله عنه عمران بن أنس ، فقال : ليس من حديثي . قال : فقلت لجلسائه : فقد رواه عنه شعبة وهو يقول : ليس من حديثي .

15939 - وقد اختلف العلماء في القول بهذا الحديث ، فقال مالك : لا بأس بحلق الرأس وقص الأظفار والشارب ، وحلق العانة في عشر ذي الحجة .

15940 - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري .

15941 - واختلف في ذلك قول الشافعي ، فمرة قال : من أراد الضحية لم يمس في عشر ذي الحجة من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي .

[ ص: 186 ] 15942 - ومرة قال : أحب إلي أن لا يفعل ذلك ، فإن أخذ من شعره أو أظفاره شيئا فلا بأس لحديث عائشة : " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . ، الحديث ، .

15943 - وقال الأوزاعي : إذا اشترى أضحيته بعدما دخل العشر فإنه يكف عن قص شاربه وأظفاره ، وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس .

15944 - وقال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه بظاهر حديث أم سلمة .

15945 - واختلف عن سعيد بن المسيب في ذلك . وروي عنه أنه ألقى بما روي عن أم سلمة في ذلك .

15946 - وروى مالك ، عن عمارة بن صياد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لا بأس بالاطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة .

15947 - وهو أترك لما رواه عن أم سلمة ، وقد أجمعوا على أنه لا بأس بالجماع في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي ، وأن ذلك مباح فحلق الشعر والأظفار أحرى أن يكون مباحا .

15948 - قال أبو عمر : من الاختلاف في حديث أم سلمة أن ابن عيينة رواه عن عبد الرحمن بن حميد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورواه يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد الرحمن بن حميد ، عن سعيد ، عن أم سلمة موقوفا عليها . وكذلك رواه ابن وهب ، قال : أنس بن عياض ، عن الليث ، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن ، قال سمعت سعيد بن المسيب قال قالت أم سلمة . . ، فذكره موقوفا على أم سلمة ، فضعفت طائفة من أهل الحديث هذا وأما [ ص: 187 ] أحمد بن حنبل ، فقال : هو صحيح من رواية مالك ، قال : وقد رواه محمد بن عمرو ، عن شيخ مالك كما رواه مالك .

15949 - قد ذكرنا أن سعيد بن أبي هلال رواه عنه كما رواه مالك ومحمد بن عمرو ، إلا أنهم اختلفوا في عمر بن مسلم بن أكيمة الليثي ، وهو ابن أخي الذي روى عنه ابن شهاب .

15950 - قال أحمد : ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث أم سلمة وحديث عائشة : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء " فبقى ساكتا ولم يجب " .

15951 - وذكرته ليحيى بن سعيد ، فقال : ذاك له وجه وهذا له وجه ، وحديث أم سلمة لمن أراد أن يضحي بالمصر ، وحديث عائشة لمن بعث بهديه وأقام .

15952 - قال أحمد : وهكذا أقول : حديث عائشة هو على المقيم الذي يرسل بهديه ، ولا يريد أن يضحي بعد ذلك الهدي الذي بعث به ، فإن أراد أن يضحي لم يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره ، على أن حديث أم سلمة هو عندي على كل من أراد أن يضحي في مصره .

15953 - حكى ذلك كله عنه الأثرم .

15954 - قال أبو عمر : قد صح أن النبي ( عليه السلام ) إذ بعث بهديه لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم ، وصح أنه كان يضحي - صلى الله عليه وسلم - ويحض على الضحية ، ولم يصح عندنا أنه - صلى الله عليه وسلم - في العام الذي بعث فيه بهديه ولم يبعث بهديه لينحر عنه [ ص: 188 ] بمكة إلا سنة تسع مع أبي بكر ، ولا يوجد أنه لم يضح في ذلك العام ، والله أعلم .

15955 - والقياس على ما أجمعوا عليه من جواز الإجماع أن يجوز ما دونه من حلاق الشعر ، وقطع الظفر ، وبالله ( عز وجل ) التوفيق .

15956 - قال أبو عمر : صحح الطحاوي حديث أم سلمة هذا وقال به ، وخالف أصحابه فيه بعد أن ذكر طرقه والاختلاف فيها ، وقال : بعضها يشد بعضا . وقال : ليس شيخمالك بمجهول ، لأنه قد روى عنه ثلاثة أئمة : مالك ، ومحمد بن عمرو ، وسعيد بن أبي هلال ، وقد تابعه على روايته : مالك عن سعيد بن المسيب : عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، ولا يضره توقيف من وقفه إذا رفعة ثقات ، ولا يضره أن يكون اسمه عمر .

15957 - ومال الطحاوي إلى القول بحديث أم سلمة هذا ، واحتج له وخالف فيه أصحابه الكوفيين ، ومالكا ، ومما ذكره فمن ذلك قال :

15958 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، قال : حدثنا قتادة ، عن كثير بن أبي كثير أن يحيى بن يعمر كان بعثني بخراسان في الرجل إذا اشترى أضحية وسماها ودخل العشر أن يكف عن شعره وأظفاره ، فلا يمس منها شيء .

15959 - قال كثير : فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب ، فقال : نعم قد أحسن .

15960 - قلت عن من يا أبا محمد ؟ قال : عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون ، أو كانوا يفعلون ذلك .

15961 - وأما قول ابن الزبير في الذي تجرد حين أمر بهديه أن يقلد : " بدعة [ ص: 189 ] ورب الكعبة " .

15962 - وقال الطحاوي محتجا لأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد : لا يجوز أن يكون عندنا حلف ابن الزبير على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة على خلاف ذلك .

15962 م - وأما ابن عباس فإنما اعتمد على حديث جابر المذكور ، وقد ذكرنا علة إسناده ، ولو علم به ابن الزبير لم يقسم .

15963 - وأما قول مالك أنه لا يحب لأحد قلد هديه بذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة ، فإن الهدي لما كان محل هديه محله وذلك يوم النحر ، وكذلك ينبغي أن يكون إحرامه مع تقليده له .

15964 - وهذا ما لا خلاف فيه ، وهي السنة ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلد هديه ثم أحرم ، وقال : " لا أحل حتى أنحر الهدي " .

15965 - ولا يختلف العلماء أن الهدي ، ولا كل من كان ميقاته ذا الحليفة أنه ليس له أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة ، وإنما يؤخر إحرامه إلى الجحفة المغربي والشامي على أنه يستحب له إذا مر بذي الحليفة أن يحرم منها .

التالي السابق


الخدمات العلمية