الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
5 [ ص: 219 ] حديث رابع

5 - مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، وعن بسر بن سعيد ، وعن الأعرج . كلهم يحدثونه عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أدرك ركعة من الصبح ، قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .


274 - وفي " التمهيد " ذكر وفاة عطاء بن يسار ، وبسر ، [ ص: 220 ] والأعرج ، وسن كل واحد منهم وحاله .

275 - وفي كتاب الصحابة ذكر أبي هريرة .

276 - وروى عن حفص ، عن ميسرة هذا الحديث ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج ، وبسر بن سعيد ، وأبي صالح ، عن أبي هريرة ، فجعل مكان عطاء أبا صالح .

[ ص: 221 ] 277 - ورواه أبو غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، ولم يذكر عطاء غيره .

278 - ورواه إسماعيل بن عياش ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج وحده ، عن أبي هريرة .

279 - وجوده مالك - رحمه الله - وكان حافظا متقنا ، وهو إسناد مجمع على صحته ، وكلهم رواه عن أبي هريرة .

280 - والإدراك في هذا الحديث إدراك الوقت ، لا أن ركعة من الصلاة من أدركها ذلك الوقت أجزته من تمام صلاته .

281 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من قال في هذا الحديث : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ، ثم صلى تمام صلاته بعد غروبها فقد أدرك ، ومن صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس وصلى ما بقي بعد طلوعها فقد أدرك أيضا .

282 - وهذا إجماع من المسلمين لا يختلفون أن معنى هذا الحديث ما وصفناه .

283 - وفي هذا أن حديث مالك ليس على ظاهره ، فإن معناه : فقد أدرك إن أتم ما بقي عليه بعد طلوع الشمس وغروبها .

284 - وهذا الحديث أيضا ورد بلفظ الإباحة في صلاة الصبح وصلاة العصر في ذينك الوقتين ، وليس هو أيضا على ظاهره في ذلك المعنى ، بدليل ما ذكرنا من صلاته - عليه السلام - فيما مضى من كتابنا هذا أنها كانت في العصر [ ص: 222 ] والشمس بيضاء نقية ، وعند القامتين ، ونحو ذلك ، على حديث إمامة جبريل في المثلين من ظل كل قائم على ما أوضحناه فيما سلف من هذا الكتاب .

285 - وكذلك الصلاة في الصبح لم تكن كلها إلا قبل طلوع الشمس أبدا ، فدل ذلك كله مع حديث مالك ، عن العلاء ، عن أنس ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال في الذي يؤخر صلاة العصر حتى تصفر الشمس وتكون بين قرني الشيطان : " أنها صلاة المنافقين " .

286 - على أن هذا الحديث ليس معناه الإباحة ، وأنه خرج على أصحاب الضرورات كالمغمى عليه يفيق ، والحائض تطهر ، والكافر يسلم في ذلك الوقت ، أنه مدرك للوقت .

287 - وقد أجمع المسلمون على أن من كان له عذر في ترك الصلاة إلى ذلك الوقت ، ثم قدر على أدائها كلها فيه لزمته ، فكذلك يلزمه إذا أدرك منها ركعة ، بدليل هذه السنة الواردة في ذلك ; لأنه - عليه السلام - جعل مدرك ركعة منها في ذلك الوقت مدركا لوقتها ، كما جعل مدرك الركعة من الصلاة مدركا لحكمها وفضلها ، وسيأتي هذا المعنى في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

288 - وقد تقدم ما للعلماء من الاختلاف في وقت العصر ، ووقت الصبح ، فلا وجه لإعادته ، وجرى فيه قول من جهل هذا الحديث على عمومه في ذي ضرورة [ ص: 223 ] ( وغيره ) . ومن اقتصر على أصحاب العذر والضرورة ، فمن كان عنده على الضرورات فمن الضرورات في ذلك : السفر .

289 - وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث :

290 - فذهب مالك وأصحابه إلى ظاهره ، فقالوا : من خرج مسافرا وقد بقي عليه من النهار مقدار ركعة بعد أن جاز بيوت القرية أو المصر ولم يكن صلاها صلى العصر ركعتين ، ولو خرج وقد بقي عليه مقدار ثلاث ركعات ولم يكن صلى الظهر والعصر صلاهما جميعا مقصورتين ، وهكذا عندهم حكم المغرب والعشاء يراعى فيهما مقدار ركعة من كل واحدة منهما على أصله ، فمن سافر وقد بقي عليه مقدار ركعة فإنه يقصر تلك الصلاة ، ولو قدم من سفره في ذلك الوقت أتم .

291 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي ، والثوري : إذا خرج من مصره قبل خروج الوقت صلى ركعتين ، وإن قدم قبل خروج الوقت أتم ، وهذا نحو قول مالك إلا أنهم لم يحدوا الركعة .

292 - وقال زفر : إن جاوز بيوت القرية أو المصر ولم يبق عليه من الوقت إلا مقدار ركعة فإنه مفرط ، وعليه أن يصلي العصر أربعا ، وإن قدم من سفره فدخل مصره ولم يبق عليه إلا ركعة واحدة أتم الصلاة أيضا ، أخذا له في ذلك بالثقة .

293 - وقال الحسن بن حي ، والليث بن سعد ، والشافعي : إذا خرج بعد دخول الوقت أتم ; لأن الصلاة تجب عندهم بأول الوقت ، وليست السعة في الوقت بمسقطة عنه ما وجب عليه في أوله .

[ ص: 224 ] 294 - قالوا : وإن قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم ، أخذوا في ذلك بالثقة والاحتياط ، لزوال علية السفر .

295 - وأصل الشافعي في القصر أنه رخصة وسنة ، فمن شاء أتم في السفر عنده ومن شاء قصر ما دام مسافرا .

296 - وسيأتي بيان ذلك وما للعلماء من التنازع فيه ووجوه أقوالهم في باب قصر الصلاة ، إن شاء الله .

297 - وروى ابن وهب ، عن الليث بن سعد في الرجل تزول عليه الشمس وهو يريد سفرا فلم يصل حتى خرج قال : يصلي صلاة المقيم ; لأن الوقت دخل عليه قبل الخروج ، ولو شاء أن يصلي صلى .

298 - وأما اختلاف الفقهاء في صلاة الحائض والمغمى عليه ومن جرى مجراهما :

299 - فقال مالك في المغمى عليه : من أغمي عليه في وقت صلاة فلم يفق حتى ذهب وقتها ، ظهرا كانت أو عصرا .

300 - قال : والظهر والعصر وقتهما إلى مغيب الشمس - فلا إعادة عليه .

301 - قال : وكذلك المغرب والعشاء وقتهما الليل كله .

التالي السابق


الخدمات العلمية