الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
801 763 - وذكر مالك ، عن ابن شهاب ; أن عمر بن الخطاب أمر بقتل الحيات في الحرم .

16637 - قال مالك : في الكلب العقور الذي أمر بقتله في الحرام . إن كل ما عقر الناس ، وعدا عليهم ، وأخافهم ، مثل الأسد والنمر والفهد والذئب . فهو الكلب العقور ، وأما ما كان من السباع ، لا يعدو . مثل الضبع والثعلب ، والهر ، وما أشبههن من السباع . فلا يقتلهن المحرم . فإن قتله فداه . وأما ما ضر من الطير ، فإن المحرم لا يقتله ، إلا ما سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغراب والحدأة . وإن قتل المحرم شيئا من الطير سواهما ، فداه .


16638 - قال أبو عمر : أجمع العلماء على القول بجملة معنى أحاديث هذا [ ص: 27 ] الباب ، واختلفوا في تفصيلها على ما نورده عنهم بحول الله وقوته إن شاء الله .

16639 - فأما الكلب العقور فقد ذكر مالك مذهبه في موطئه على حسب ما أوردنا .

16640 - ومذهب ابن عيينة في الكلب العقور نحو مذهب مالك .

16641 - قال ابن عيينة : معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكلب العقور : كل سبع يعقر ، ولم يخص به الكلب .

16642 - قال سفيان : وفسره لي زيد بن أسلم كذلك .

16643 - وكذلك قال أبو عبيد .

16644 - وروى زهير بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد ربه بن سبلان ، عن أبي هريرة ، قال : الكلب العقور كالأسد .

16645 - فكل هؤلاء يقولون إنه لم يعن بالكلب العقور الكلاب الإنسية العادي منها ولا غير العادي دون سائر ما يعقر الناس ويعدو عليهم من السباع كلها .

16646 - واحتج بعض من ذهب هذا المذهب بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في عتبة بن أبي لهب : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ) ، فعدى عليه الأسد ; فقتله .

[ ص: 28 ] 16647 - ومذهب الثوري في ذلك كمذهب مالك ، 16648 - قال الثوري : يقتل المحرم الكلب العقور .

16649 - قال : وهو كل ما عدا عليك من السباع تقتله ولا كفارة عليك .

16650 - ومذهب الشافعي في الكلب العقور نحو ذلك أيضا .

16651 - قال الشافعي : الكلب العقور ما عدا على الناس من الكلاب .

16652 - قال : ومثل الكلب العقور كل سبع عقور مثل النمر ، والفهد ، والذئب ، والأسد .

16653 - ونحوه قول أحمد بن حنبل ، قال : تقتل كل ما عدا عليك وعقرك وآذاك ، ولا فدية عليك .

16654 - فهؤلاء العلماء كلهم مذاهبهم متقاربة في العبارة عن الكلب العقور ، [ ص: 29 ] وكلهم لا يرى ما ليس من السباع : الغراب ، والحدأة في الأغلب ليست في معنى الكلب العقور في شيء ولا يجوز للمحرم عندهم قتل الهر الوحش ، ولا الثعلب ، ولا الضبع .

16655 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب والذئب فقط يقتلهما فلا شيء عليه فيهما ابتدأه أو ابتدأهما ، وإن قتل شيئا من السباع فداه إلا أن يكون ابتدأه السبع ، فإن ابتدأه فقتله فلا شيء عليه ، وإن لم يبتدئه وقتله أفداه .

16656 - وهو قول الأوزاعي ، والحسن بن صالح .

16657 - وقال زفر : لا يقتل المحرم إلا الذئب وحده ، ومتى قتل غيره : فعليه الفدية ، ابتدأه أو لم يبتدئه .

16658 - قال أبو عمر : تلخيص مذهب مالك في الكلب العقور وسائر السباع فيما ذكره ابن القاسم ، وابن وهب ، وأشهب عنه : أن المحرم يقتل السباع التي تعدو على الناس وتفترس ، ابتدأه أو ابتدأها ، جائز له قتلها على كل حال .

16659 - وأما صغار أولادها التي لا تعدو على الناس ولا تفترس فلا يقتلها ، ولا يقتل ضبعا ولا ثعلبا ، ولا هرا وحشيا إلا أن يبتدأه أحد هذه بالأذى والعداء عليه ; فإن فعل فله قتله ودفعه عن نفسه .

16660 - قال ابن القاسم : كما لو أن رجلا عدا على رجل فأراد قتله ; فدفعه عن نفسه لم يكن عليه شيء .

16661 - وقال أشهب عنه : إن قتل المحرم ثعلبا أو هرا أو ضبعا وداه ; لأن [ ص: 30 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن في قتل السباع ، وإنما أذن في قتل الكلب العقور .

16662 - قال : وكذلك صغار الذئاب والنمور لا يرى أن يقتلها المحرم ، فإن قتلها فداها ، وهي مثل فراخ الغربان .

16663 - وقال أبو حنيفة : كل من قتل شيئا من السباع صغيرا أو كبيرا فداه إلا الكلب العقور ، والذئب .

16664 - وقال الشافعي : الذي يجوز للمحرم قتله من السباع فصغاره وكباره سواء يقتلها ولا شيء عليه ، وما لا يجوز قتله صغيرا لم يقتله كبيرا ، وكل ما لا يجوز أكل لحمه فلا بأس على المحرم في قتله .

16665 - وجائز عنده . أكل الضبع والثعلب والهر .

16666 - وسنبين مذهبه ومذهب سائر العلماء فيما يؤكل من الدواب في بابه من هذا الكتاب عند ذكر نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع إن شاء الله ، وليس هذا الباب فيما للمحرم قتله عند مالك وأصحابه من باب ما يؤكل لحمه في شيء يعقب على ذلك .

16667 - وأما الغراب والحدأة في هذا الباب ، فقال أشهب : سئل مالك : أيقتل المحرم الغراب والحدأة من غير أن يضرانه ؟ قال : لا ، إلا أن يضرا به ، إنما أذن في قتلها إذا أضرا في رأيي ، فأما أن يصيبهما بدءا فله ، وهما صيد .

16668 - وليس للمحرم أن يصيد ، وليا مثل العقرب ، والفأرة والغراب والحدأة صيدا ، فإن أضر الغراب والحدأة بالمحرم فله أن يقتلهما .

16669 - قال : ولا بأس أن يقتل : الحية ، والفأرة ، والعقرب وإن لم تضره .

[ ص: 31 ] 16670 - وقال ابن وهب وأشهب ، عن مالك : أما الطير فلا يقتل المحرم منه إلا ما سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الغراب والحدأة " ولا أرى له أن يقتلهما إلا أن يضراه .

16671 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا شيء على المحرم في قتل الحية ، والعقرب ، والحدأة ، والفأرة ، والغراب .

16672 - وقال الشافعي : لا بأس بقتل الغراب والحدأة والرخم ، والنسور ، والخنافس والقردان والحلم ، وكل ما لا يؤكل لحمه فلا شيء على المحرم في قتل شيء من ذلك ، ولا بأس بقتله لمحرم وغيره .

16673 - هذا معنى قوله .

16674 - وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وعروة ، وابن شهاب .

16675 - ذكر الساجي ، قال : حدثني علي بن عبد الحميد الغدائري قال : حدثني الهيثم بن جميل قال : حدثني شريك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : ذكر عند ابن عمر الغراب ، فقال : هو الذي سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفويسق ، والله ما هو من الطيبات التي ذكر الله - عز وجل - في القرآن .

16676 - قال : وحدثني محمد بن الحارث المخزومي ، قال : حدثني ابن أبي أويس ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : إني لأعجب من أكل الغراب وقد رأى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سماه فاسقا ، والله ما هذا من [ ص: 32 ] الطيبات .

16677 - وحدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثني همام ، عن قتادة أنه كره . لحم الغراب .

16678 - قال : وحدثني عبد الرزاق ، قال حدثني حجاج بن المنهال ، قال : حدثني حماد بن سلمة ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه أنه سئل عن لحم الغراب فكرهه .

16679 - قال أبو عمر : جائز عند مالك أكل الغراب ، والحدأة ، وكل ذي مخلب من الطير ولم يصح عنده في ذلك النهي الذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

16680 - وقد صح عند أبي بكر الصديق أنه قال : كل الطير كله .

16681 - وقد ذكرنا الخبر عنه في غير هذا الموضع .

[ ص: 33 ] 16682 - وهو قول عطاء ، وجماعة من العلماء .

16683 - وذكر ابن وهب ، عن خالد بن حميد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه سأله رجل عن أكل البازي ؟ فأمره بأكله .

16684 - قال ابن وهب : وأخبرني الليث ، قال : كتبت إلى يحيى بن سعيد في لحم الغراب ، والحدأة ، والنسر والصقر ، والبازي ، والعقاب وأشباهها ، هل يكره أم لا ؟ فقال يحيى بن سعيد : ليس ينبغي أن تحرم إلا ما حرم الله - عز وجل - أو بما تكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنفي عنه .

16685 - قال ابن وهب : وسألت مالكا عن أكل الغراب والحدأة ، وقلت له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سماهما فاسقين ، وأمر المحرم بقتلهما ؟ فقال : لم أدرك أحدا ينهى عن أكلها .

16686 - قال : ولا بأس بأكلهما .

16687 - قال : وإني لأكره أكل الفأرة ، والحية ، والعقرب من غير أن أراه حراما .

16688 - قال : ومن " أكل حية فلا يأكلها حتى يذكيها .

16689 - قال أبو عمر : العلماء مجمعون على قتل الحية والعقرب في الحل والحرم للحلال والمحرم ، وكذلك الأفعى عندهم جميعهم .

16690 - وفي حديث ابن مسعود : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى ليلة [ ص: 34 ] عرفة ، فخرجت حية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " اقتلوا فسيقا " .

16691 - وفي حديث أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " يقتل المحرم الأفعى ، والأسود ، والحية ، والعقرب ، والحدأة ، والكلب العقور والفويسقة .

16692 - قال أبو بكر : قد ذكرنا إسناد هذين الحديثين في ( التمهيد ) .

16693 - والأسود : الحية . والفويسقة : الفأرة .

16694 - روى شعبة عن مخارق بن عبد الله ، عن طارق بن شهاب ، قال : اعتمرت ، فمررت بالرمال ، فرأيت حيات ; فجعلت أقتلهن ; وسألت عمر ؟ فقال : هي عدو فاقتلهن .

16695 - وقال ابن عيينة : سمعت الزهري يحدث عن سالم ، عن أبيه أن عمر ، سئل عن الحية يقتلها المحرم ؟ فقال : هي عدو ; فاقتلوها حيث وجدتموها .

[ ص: 35 ] 16696 - قال سفيان : وقال لنا زيد بن أسلم ويحك ! أي كلب أعقر من الحية ؟ 16697 - قال أبو عمر : وكذلك أجمع العلماء على جواز قتل الفأرة في الحل والحرم ، وقتل العقرب والوزغ ، إلا أن ابن القاسم وابن وهب وأشهب رووا عن مالك ، وذكره ابن عبد الحكم عنه ، قال : لا أدري أن يقتل المحرم الوزغ ; لأنه ليس من الخمس التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهن ، قيل له : فإن قتل المحرم الوزغ ؟ قال : أرى أن يتصدق وهو مثل شحمة الأرض . وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( خمس من الدواب ) ; فليس عليهن شيء إلا سبعا .

16698 - قال : ولا يقتل المحرم قردا ، ولا خنزيرا ، ولا الحية الصغيرة ، ولا صغار السباع ، ولا فراخ الغربان .

16699 - قال أبو عمر : أمر رسول الله بقتل الوزغ وسماه فويسقا .

رواه ابن شهاب ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

16700 - وعن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 36 ] 16701 - والآثار بذلك متواترة ، وقد ذكرنا بعضها في ( التمهيد ) .

[ ص: 37 ] 16702 - وقد أجاز مالك قتل الحية والأفعى وليست من الخمس التي سماها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

16703 - والكلب العقور عنده صفة لا عين مسماة ، فيدخل في ذلك أكثر من الخمس .

16704 - وقد قال إسماعيل بن إسحاق : اختلف في الزنبور فشبهه بعضهم بالحية والعقرب .

16705 - قال : ولولا أن الزنبور لا يبتدئ لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب ، ولكنه ليس في طبعه من الأذى ما في الحية والعقرب ; لأنه إنما يجيء إذا أوذي .

16706 - قال : فإن عرض الزنبور لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء .

16707 - قال إسماعيل : وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكم العقور [ ص: 38 ] لأنهن لا يعقرن في صغرهن .

16708 - قال : وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخمس فواسق . والفواسق : فواعل والصغار لا فعل لهن .

16709 - قال أبو عمر : وحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ التمثيل بالبهائم ] ونهى أن يتخذ شيئا فيه الروح غرضا ، ونهى أن تصبر البهائم . وذلك فيما يجوز أكله وفيما لا يجوز ، وإجماع العلماء المسلمين على ذلك .

16710 - وقال ، صلى الله عليه وسلم : ( من قتل عصفورا بغير حقه عذب به يوم القيامة ) .

[ ص: 39 ] قيل : وما حقه ؟ يا رسول الله ! قال : " يذبحه ولا يقطع رأسه فيرمي به "
.

16711 - وفي هذا كله دليل واضح أن ما يحل أكله لا يجور قتله لما فيه من الفساد وإضاعة المال ، والله قد نهى عن الفساد ، وأخبر أنه لا يحبه وقد نهى عن إضاعة المال ،وكل مقدور عليه ذكاته الذبح ، وكل ممتنع من الصيد ذكاته الحديد حيث أدركت منه مع سنة التسمية في ذلك .

16712 - وقد أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل تلك الفواسق وشبهها في الحل والحرم على ما في حديث عائشة ، وغيره ، وقال : المحرم يقتله .

16713 - وأما مالك ومن تابعه على جواز أكل الطير كله ذي المخلب منه وغير ذي المخلب .

16714 - فمن حجتهم أن الحدأة والغراب استثناهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصيد الذي نهى المحرم عنه .

16715 - وقد قالت فرقة منهم مجاهد بن جبر ، ولا يقتل الغراب ، ولكن يرمى .

[ ص: 40 ] 16716 - وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - ولا يصح عنه . 16717 - وقد ذكرنا إسناده عنه في " التمهيد " .

16718 - واحتج من قال بذلك بحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عما يقتل المحرم فقال : " الحية ، والعقرب ، والفويسقة ، ويرمي الغراب ولا يقتله ، والكلب العقور ، والحدأة ، والسبع العادي .

رواه هشيم قال : حدثني يزيد بن أبي زياد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري .

16719 - وقد ذكرناه ، بإسناده ، ويزيد بن أبي زياد ليس " بحجة فيما انفرد به " .

16720 - وشذت فرقة أخرى ، فقالت : لا يقتل من الغربان إلا الغراب الأبقع .

16721 - واحتجوا بما حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثني محمد بن معاوية ، قال : حدثني أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمر بن علي ، قال : حدثني يحيى ، قال : حدثني شعبة ، قال : حدثني قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خمس يقتلهن المحرم : الحية والفأرة ، والحدأة ، والغراب الأبقع ، والكلب العقور .

[ ص: 41 ] 16722 - قال أبو عمر : الأبقع من الغربان الذي في ظهره وبطنه بياض . وكذلك الكلب الأبقع أيضا . وأما الأدرع فهو الأسود ، والغراب الأعصم هو الأبيض الرجلين ، وكذلك الوعل الأعصم عصمته بياض في رجليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية