الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
863 821 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أنه قال : من ساق بدنة تطوعا ; فعطبت ; فنحرها ، ثم خلى بينها وبين الناس يأكلونها فليس عليه شيء ، وإن أكل منها أو أمر من يأكل منها غرمها .

17643 - مالك عن ثور بن زيد الديلي ، عن عبد الله بن عباس مثل ذلك .

822 - مالك ، عن ابن شهاب ، أنه قال : من أهدى بدنة جزاء أو نذرا أو هدي تمتع ; فأصيبت في الطريق ; فعليه البدل .

17644 - مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : من أهدى بدنة ثم ضلت أو ماتت فإنها إن كانت نذرا أبدلها ، وإن كانت تطوعا فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها .

17645 - مالك : أنه سمع أهل العلم يقولون : لا يأكل صاحب الهدي من الجزاء والنسك .


17646 - قال أبو عمر : أما الهدي التطوع إذا بلغ محله فلا خلاف بين العلماء [ ص: 282 ] في أنه يأكل منه صاحبه إن شاء كسائر الناس ; لأنه في حكم الضحايا ، وإنما اختلفوا فيمن أكل من الهدي الواجب أو أكل من الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله .

17647 - فكان مالك ، والأوزاعي ، والشافعي يقولون : في الهدي التطوع يعطب قبل محله أن على صاحبه أن يخلي بينه وبين الناس يأكلونه ، ولا يأمر أحدا يأكل منه فقيرا ولا غنيا ، يتصدق ولا يطعم وحسبه والتخلية بينه وبين الناس .

17648 - وكذلك قال أبو حنيفة ، إلا أنه قال : يتصدق به أفضل من أن يتركه للسباع فتأكله .

17649 - وأما ما يطمئن الآكل من الهدي الذي لا يجب له أن يأكل منه قد اختلف فيه أيضا .

17650 - فكان مالك يقول : إن أكل منه أبدله كله .

17651 - وروى ابن وهب ، عن الليث بن سعد في الذي يأكل من هدي ليس له أن يأكل منه ، قال : أرى أن يتصدق بقدر ما أكل طعاما يطعمه المساكين ولا أرى عليه غير بدله .

17652 - قال ابن وهب : خالفه مالك ; فقال : إن أكل منه شيئا ولو نصفه وآخره أبدله كله .

17653 - وبه يأخذ ابن وهب .

17654 - وكذلك قال ابن القاسم ، عن مالك : إن أكل منه فعليه بدله كله ، كان الذي أكل منه قليلا أو كثيرا .

[ ص: 283 ] 17655 - قال ابن القاسم : إن أكل من الهدي الذي نذر للمساكين ; فعليه أن يطعم قيمة ما أكل للمساكين ولا يكون عليه البدل .

17656 - وقال ابن حبيب : إن أكل مما لا يجب أن يأكل منه فعليه ثمن ما أكل طعاما يتصدق به .

17657 - وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق .

17658 - وروي عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس في الهدي يعطب قبل محله ; أن صاحبه إن أكل منه أو أمر غرم .

17659 - وعن ابن المسيب وجماعة من التابعين مثل ذلك ، إلا أنهم ليس عندهم تفسير ما يغرم : ما أكل أو أتلف .

17660 - وقالت طائفة ، منهم : عطاء ، والزهري : إن عليه البدل إن فعل شيئا ذلك .

17661 - ومن قال : عليه البدل ، أوجب عليه غرم الجميع .

17662 - وعلى هذين القولين اختلاف الفقهاء على ما قدمنا .

17663 - واختلفوا في الهدي الذي يؤكل منه .

17664 - فقال مالك : يؤكل من كل الهدي إلا جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، وهدي التطوع الذي يعطب في الطريق قبل أن يبلغ محله .

[ ص: 284 ] 17665 - وقال الثوري : يؤكل من هدي المتعة ، والإحصار ، والوصية ، والتطوع إذا بلغ محله لا يؤكل من غيرها .

17666 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يؤكل من الهدي إلا هدي المتعة وهدي التطوع - يعنون : إذا بلغ محله - وهدي القران ، وأما غير ذلك فلا يؤكل منه شيء .

17667 - وقال الشافعي : لا يؤكل من الهدي كله إلا التطوع خاصة إذا بلغ محله ، وكل ما كان واجبا من الهدي فلحمه كله للمساكين وجلده ، وكذلك جله والنعلان اللتان عليه .

17668 - قال : وكذلك عندي هدي المتعة ; لأنه واجب فسبيله سبيل جزاء الصيد ، وهدي الإفساد ، وهدي القران ، فكل ما وجب عليه فلا يأكل منه شيئا .

17669 - وقال أبو ثور مثله .

17670 - ذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن علية ، قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن ليث ، عن عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، أنهم كانوا يقولون : لا يؤكل من الفدية ، ولا من جزاء الصيد .

17671 - عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : لا يأكل من جزاء الصيد ، ولا من نذر المساكين ، ومن الكفارات ، ويأكل مما سوى ذلك . فإن كان الهدي واجبا وعطب قبل محله فإن صاحبه يأكله إن شاء أو ما شاء منه ، ويطعم منه من شاء ما شاء ; لأن عليه بدله .

[ ص: 285 ] 17672 - وعلى هذا جمهور العلماء ، ومنهم من أجاز له بيع لحمه وأن يستعين به في البدل .

17673 - وكره ذلك : مالك ; لأنه بيع شيء أخرجه لله ، عز وجل .

17674 - ومن أجاز بيع لحمه على جواز أكله .

17675 - وقد كان عطاء يبيح البيع في ذلك ، ثم رجع عنه .

17676 - وروى سفيان بن عيينة ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إذا أهديت هديا واجبا ، فعطب ، فانحره . فإن شئت فكل ، وإن شئت فأهد ، وإن شئت فتقول به في هدي آخر .

17677 - وأما قول ابن عمر ( أنه من أهدى بدنة ، ثم ضلت أو ماتت ، فإنها إن كانت نذرا أبدلها ، وإن كانت تطوعا فإن شاء أبدلها ، وإن شاء تركها ) .

17678 - قال أبو عمر : لا خلاف في هذا بين العلماء ، وأصلهم فيه : الصلاة النافلة ، لا تقضى لمن غلب عليها ما يفسدها ، والنذر والصلاة الفريضة ما غلبه عليها من الحدث وغيره لا يسقطها .

17679 - قال عبد الرزاق : عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : أما النذر فإن كان للمساكين فكان بمنزلة جزاء الصيد ، وإن قال : علي بدنة أو هدي ولم يذكر فيه شيئا فهو هدي والمتعة سواء ليهد منهما لمن هو غني عنهما : من صديق ، أو ذي [ ص: 286 ] رحم ، وليأكل هو وأهله ، وليتصدق ، ولينتفع بجلودها ولا يبع .

17680 - قال : وهل للمتعة لهدي المحصر فيما يؤكل منه سواء .

17681 - واختلفوا في هدي التطوع إذا عطب وقد دخل الحرم .

17682 - فقال منهم قائلون : إذا دخل الحرم فقد بلغ محله ، والحرم ، كله ومكة ومنى سواء ; لأنه حرم كله .

17683 - وأجمعوا أن قوله ، عز وجل : ثم محلها إلى البيت العتيق [ الحج : 33 ] لم يرد به الذبح ولا النحر في البيت العتيق ; لأن البيت ليس بموضع للدماء ; لأن الله تعالى قد أمر بتطهيره ، وإنما أراد بذكره البيت العتيق : مكة ومنى .

17684 - وكذلك قال ، صلى الله عليه وسلم : " مكة كلها منحر " يعني في العمرة ، " ومنى كلها منحر " . يعني في الحج .

17685 - فالحرم كله " مكة " و " منى " ; لأن ذلك كله حرم ، فإذا عطب الهدي التطوع في الحرم جاز لصاحبه أن يأكل منه .

17686 - وإذا كان هديا واجبا ، وبلغ الحرم ، وعطب فقد جزى عنه ; لأن العلة في سياقه الهدي إطعام مساكين الحرم .

17687 - وهذا كله قول الشافعي ، وعطاء ، وكثير من العلماء .

17688 - وروى ابن جريج وحبيب المعلم ، وغيرهما ، عن عطاء ، قال : كل هدي بلغ الحرم ، فعطب ، فقد أجزى .

[ ص: 287 ] 17689 - وقد اتفق العلماء على أن قتل الصيد بمكة ومنى ، وسائر الحرم سواء في وجوب الجزاء .

17690 - وقال ، صلى الله عليه وسلم في مكة : " لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ، ولا يعضد شجرها " .

17691 - وأجمعوا أن الحرم كله في ذلك حكمه حكمها .

17692 - وقد قال مالك : من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل الحرم .

ومن قوله ( إن الحرم لا يدخل إلا بإحرام ) ، فسواء في ذلك بين الحرم ومكة ، إلا أن مذهبه فيما عطب أو نحر من الهدي قبل بلوغ مكة أنه لا يجزي قوله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق [ الحج : 33 ] .

17693 - واحتج له إسماعيل بن إسحاق القاضي بإجماعهم على أن الطواف والسعي لا يكونان إلا بمكة ، وأن رمي الجمار لا يكون إلا بمنى . وكذلك النحر لا يكون إلا فيهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية