الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
896 [ ص: 77 ] 851 - مالك ، عن يحيى بن سعيد قال : أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، ولا نرى إلا أنه الحج ، فلما دنونا من مكة ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي ، إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، أن يحل . قالت عائشة : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر . فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه .

قال يحيى بن سعيد : فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال : أتتك والله بالحديث على وجهه .
18124 - قال أبو عمر : أما قولها في هذا الحديث : ( ولا نرى إلا أنه [ ص: 78 ] الحج ) فليس فيه قطع بإفراد ولا غيره ، وقد مضى القول في الإفراد والتمتع والإقران قبل هذا .

18125 - وأما قولها : ( فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل ، فهذا فسخ الحج في العمرة ، وقد تقدم القول فيه ، وأوضحنا أنه مخصوص به الذين خاطبهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكرنا قول من خالف في ذلك .

18126 - وأما قولها : ( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر . . . الحديث ) ، ففيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر عن أزواجه يوم الهدي الذي نحر عن نفسه ، لأنه محفوظ من وجوه صحاح متواترة أنه ( عليه السلام ) قدم عليه علي من اليمن ببدن هديا . وكان ( عليه السلام ) قد ساق مع نفسه أيضا من المدينة هديا فكمل في ذلك مائة بدنة ، وأشركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحرها هو وعلي على ما ذكرنا في حديث علي ، وحديث جابر المسند الصحيح .

18127 - ولم يذبح البقر إلا عن أزواجه .

18128 - على أن ابن شهاب يقول : إنما نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه بقرة واحدة ، يريد أنه أشركهن فيها .

18129 - ويحتمل أن يكون أراد بقوله ذلك بقرة عن كل واحدة منهن ، [ ص: 79 ] والله أعلم .

18130 - وفي هذا الحديث أيضا عرض العالم على من هو أعلم منه ما عنده من العلم ليعرف قوله فيه .

18131 - وفيه : أن أهل الدنيا إذا سمعوا الصادق وصدقوه فرحوا به .

18132 - وفيه : جواز نحر البقر . ومن أهل العلم من كره ذلك لقول الله ( عز وجل ) في البقرة : فذبحوها [ البقرة : 71 ] . والذي عليه جمهور أهل العلم أن البقر يجوز فيها الذبح بدليل القرآن ، والنحر بالسنة .

18133 - وأما الإبل فتنحر ولا تذبح . والغنم تذبح ولا تنحر .

18134 - وسيأتي القول بما للعلماء فيمن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر في موضعه من كتاب الذبائح إن شاء الله ( عز وجل ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية