الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
948 904 - مالك ، عن عبد العزيز بن قرير ، عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب . فقال : إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين . نستبق إلى ثغرة ثنية . فأصبنا ظبيا ونحن محرمان . فماذا ترى ؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت قال : فحكما عليه بعنز . فولى الرجل وهو يقول : هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي ، حتى دعا رجلا يحكم معه ، فسمع عمر قول الرجل ، فدعاه فسأله : هل تقرأ سورة المائدة ؟ قال : لا قال : فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي ؟ فقال : لا . فقال : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا . ثم قال : إن الله - تبارك وتعالى - يقول في كتابه : يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة [ المائدة : 95 ] وهذا عبد الرحمن بن عوف .


18832 - قال أبو عمر : أمر ابن وضاح بطرح عبد الملك اسم شيخ [ ص: 276 ] مالك في هذا الحديث ، فقال : اجعله عن ابن قرير ، وكذلك روايته عن يحيى ، عن مالك عن ابن قرير ، عن محمد بن سيرين ، في هذا الحديث . ورواية عبيد الله ، عن أبيه يحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن عبد الملك بن قرير .

18833 - وهو عند أكثر العلماء خطأ ; لأن عبد الملك بن قرير لا يعرف .

18834 - قال يحيى بن معين : وهم مالك في اسمه ، شك في اسم أبيه ، إنما هو عبد الملك بن قرير ، وهو الأصمعي .

18835 - وقال آخرون : إنما وهم مالك في اسمه لا في اسم أبيه ، وإنما هو عبد العزيز بن قرير ، رجل بصري ، يروي عن ابن سيرين أحاديث ، هذا منها .

18836 - وقال أحمد بن عبد الله بن بكير : لم يهم مالك في اسمه ، ولا في اسم أبيه ، وإنما هو عبد الملك بن قرير ، كما قال مالك ، أخو عبد العزيز بن قرير .

[ ص: 277 ] 18837 - قال أبو عمر : الرجل مجهول والحديث معروف محفوظ ، من رواية البصريين والكوفيين ، عمر .

18838 - رواه ابن جابر ، ورواه عن قبيصة الشعبي ، ومحمد بن عبد الملك بن قارب الثقفي ، وعبد الملك بن عمير ، وهو أحسنهم سياقة له .

18839 - ورواه عن عبد الملك بن عمير جماعة من أهل الحديث منهم : سفيان الثوري ، وشعبة بن الحجاج ، وجرير بن عبد الحميد ، وعبد الملك المسعودي ، ومعمر بن راشد .

18840 - ذكرها كلها علي بن المديني .

18841 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال : حدثني إسماعيل بن إسحاق قال : حدثني علي بن المديني قال : وأما حديث سفيان ، فحدثناه يحيى بن سعيد قال : حدثني سفيان قال : أخبرني عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، أن محرما قتل ظبيا ، فقال له عمر : اذبح شاة ، وأهرق دمها ، وأطعم لحمها ، وأعط إهابها رجلا يتخذه سقاء .

[ ص: 278 ] 18842 - هكذا رواه الثوري مختصرا ، واختصره أيضا شعبة ، إلا أنه أكمل من حديث الثوري .

18843 - قال علي : حدثنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال : حدثني شعبة ، عن عبد الملك بن عمير قال : سمعت قبيصة بن جابر يقول : خرجت حاجا أنا وصاحب لي ، فرأينا ظبيا ، فقال لي صاحبي : أو قلت له ، تراك تبلغه . فأخذ حجرا ، فرماه ، فأصاب أحشاءه فقتله ، فأتى عمر بن الخطاب ، فذكر ذلك له ، فقال له عمر : عمدا أو خطأ ؟ فقال : ما أدري ، فضحك عمر وقال : اعمد إلى شاة فاذبحها ، ثم تصدق بلحمها ، واجعل إهابها سقاء .

18844 - قال علي : وأما حديث معمر فحدثناه عبد الرزاق بن همام قال : أخبرنا معمر عن عبد الملك بن عمر قال : أخبرني قبيصة بن جابر الأسدي قال : كنت محرما ، فرأيت ظبيا فرميته فأصبت حشاه - يعني أصل قرنه - فركب ردعه قال : فوقع في نفسي من ذلك شيء فأتيت عمر بن الخطاب أسأله ، فوجدت إلى جنبه رجلا أبيض ، رقيق الوجه وإذا هو عبد الرحمن بن عوف ، فسألت عمر ، فالتفت عمر إلى الذي على جنبه قال : أترى شاة تكفيه ؟ قال : نعم قال : فأمرني أن أذبح شاة ، فقمنا من عنده ، فقال [ ص: 279 ] لي صاحبي : إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل قال : فسمع عمر بعض كلامه ، فعلاه بالدرة ضربا ، ثم أقبل علي ليضربني ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لم أقل شيئا ، إنما هو قاله قال : فتركني ثم قال : أتقتل الحرام وتتعدى الفتيا . ثم قال : إن في الإنسان عشرة أخلاق ; تسعة حسنة ، وواحد سيئ ، فيفسدها ذلك السيئ . ثم قال : إياك وعثرات اللسان .

18845 - قال علي : وأما حديث جرير والمسعودي ، فحدثناه جرير بن عبد الحميد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر .

18846 - قال علي : وحدثني يحيى بن سعيد ، عن المسعودي قال : حدثني سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : كنا نحج على الرحال ، وإنا لفي عصابة كلها محرمون ، نتماشى بين أيدي ركابنا ، وقد صلينا الغداة ، ونحن نقودها ، إذ تذاكر القوم : الظبي أسرع من الفرس ، فما كان بأسرع من أن سنح لنا ظبي أو برح ، فأخذ بعض القوم حجرا ، فرماه ، فما أخطأ حشاه ، فركب ردعه ميتا ، فأقبلنا عليه فقلنا له قولا شديدا ، فلما [ ص: 280 ] كنا بمنى انطلقت أنا والقاتل إلى عمر ، فقص عليه قصته ، فقال : كيف قتلته ؟ أخطأ أم عمدا ؟ قال : والله ما قتلته خطأ ولا عمدا ؟ لأني تعمدت رميه ، وما أدري قتله ، فضحك عمر ، وقال : ما أراك إلا قد أشركت الخطأ مع العمد . فقال : هذا حكم ، ويحكم به ذوا عدل منكم ، ثم التفت إلى رجل جنبه كأنه قلب فضة ، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف ; فقال : كيف ترى ؟ قال : فاتفقا على شاة ، فقال عمر للقاتل : خذ شاة وأهرق دمها ، وأطعم لحمها ، واسق إهابها رجلا يجعله سقاء .

قال : وما أشد حكمها منا .

قال : فلما خرجت أنا والقاتل قلت له : أيها المستفتي ابن الخطاب ، إن عمر ما درى ما يفتيك حتى سأل ابن عوف ، فلم أكن قرأت المائدة ولو كنت قرأتها لم أقل ذلك ، واعمد إلى ناقتك فانحرها ، فإنها خير من شاة عمر .

قال المسعودي : فسمعها عمر .

وقال جرير : فبلغ ذلك عمر ، فما شعرنا حتى أتينا ، فلبب كل رجل منا يقاد إلى عمر قال : فلما دخلنا عليه ، قام وأخذ الدرة ، ثم أخذ بتلابيب القاتل ، فجعل يصفق رأسه حتى عددت له ثلاثين ، ثم قال : قاتلك الله ، أتعدى الفتيا ، وتقتل الحرام . ثم أرسله وأخذ بتلابيبي ، فقلت : يا أمير المؤمنين : إني [ ص: 281 ] لا أحل لك مني شيئا حرمه الله علي . فأرسل تلابيبي ، ورمى بالدرة ، ثم قال : ويحك إني أراك شاب السن ، فصيح اللسان ، إن الرجل تكون عنده عشرة أخلاق تسعة صالحة ، وخلق سيئ ، فيفسد الخلق السيئ التسعة ، إياك وعثرات اللسان .

18847 - قال أبو عمر : أنا جمعت حديث جرير وحديث المسعودي ، وأتيت بمعناها كاملا .

18848 - وأما علي ، فذكر كل واحد منهما على حدة ، وأتى بالطرق المذكورة كلها .

18849 - قال علي : سألت أبا عبيدة معمر بن المثنى ، عن سنح أو برح ، فقال : السنوح : ما جاء على اليسار ، والبروح : ما جاء من قبل اليمين .

18850 - قال أبو عمر : ظاهر حديث مالك من قوله ( ( أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ) ) يدل على أن قتل ذلك الظبي كان خطأ .

18851 - وفي حديث قبيصة بن جابر ، ما يدل على العمد ; لقوله : من [ ص: 282 ] رماه ، فأصاب حشاه ، أو خششاءه . وفي بعض روايته ; ما أدري خطأ أم عمدا ; لأني تعمدت رميه ، وما أردت قتله .

18852 - وقد اختلف العلماء قديما في قتل الصيد خطأ

18553 - فقال جمهور العلماء ، وجماعة الفقهاء ، وأهل الفتوى بالأمصار ، منهم مالك ، والليث ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما : قتل الصيد عمدا أو خطأ سواء .

18854 - وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو جعفر الطبري .

18855 - وقال أهل الظاهر : لا يجوز الجزاء إلا على قتل الصيد عمدا ، ومن قتله خطأ فلا شيء عليه ; لظاهر قول الله - عز وجل - ومن قتله منكم متعمدا [ المائدة : 95 ] .

18856 - وروي عن مجاهد ، وطائفة : لا تجب الكفارة إلا في قتل الصيد خطأ وأما العمد ، فلا كفارة فيه .

18857 - قال أبو عمر : ظاهر قول مجاهد مخالف لظاهر القرآن . إلا أن معناه أنه متعمد لقتله ، ناس لإحرامه .

[ ص: 283 ] 18858 - وذكر معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله - عز وجل - ومن قتله منكم متعمدا [ المائدة : 95 ] فإن من قتله متعمدا لقتله ، ناسيا لإحرامه .

18859 - قال أبو عمر : يقول إذا كان ذاكرا لإحرامه ، فهو أعظم من أن يكون فيه جزاء ، كاليمين الغموس .

18860 - وأما أهل الظاهر فقالوا : دليل الخطاب يقضي أن حكم من قتله خطأ ، بخلاف حكم من قتله متعمدا ، وإلا لم يكن لتخصيص التعمد معنى .

واستشهدوا عليه بقوله - عليه السلام - : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " .

18861 - وروي عن ابن عباس ، وطائفة من أصحابه هذا المعنى .

18862 - وبه قال أبو ثور ، وداود .

18863 - وأما وجه ما ذهب إليه الجمهور ، الذي لا يجوز عليهم تحريف [ ص: 284 ] تأويل الكتاب فإن الصحابة - رضى الله عنهم - منهم عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، قضوا في الضبع بكبش ، وفي الظبي بشاة ، وفي النعامة ببدنة ، ولم يفرقوا بين العامد والمخطئ في ذلك ، بل رد أحدهم على حمامة فماتت ، فقضوا عليه فيها بالجزاء .

18864 - وكذلك حكموا في من أكل مما صيد من أجله بالجزاء .

18865 - ومن وجهة النظر ، أن إتلاف أموال المسلمين وأهل الذمة يستوي في ذلك العمد والخطأ ، وكذلك الصيد ; لأنه ممنوع منه ، محرم على المحرم ، كما أن أموال بعض المسلمين محرمة على بعض .

18866 - وكذلك الدماء لما كانت محرمة في العمد والخطأ وجعل الله في الخطأ منها الكفارة ، فكذلك الصيد ; لأن الله - تعالى - سماه : كفارة طعام مساكين .

18867 - وقد أجمعوا على أن قوله - عليه السلام - : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " . ليس في إتلاف الأموال ، وإنما المراد به رفع المآثم .

[ ص: 285 ] 18868 - وهذا كله يدل على أن العمد والخطأ سواء ، وإنما خرج ذكر العمد على الأغلب ، والله أعلم .

18869 - ذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال يحكم عليه في العمد ، وهو في الخطأ سنة .

18870 - قال عبد الرزاق : وهو قول الناس ، وبه نأخذ .

18871 - قال أبو عمر : في هذا الباب أيضا قول شاذ ، لم يقل به أحد من أئمة الفتوى بالأمصار ، إلا داود بن علي ، وهو قول الله - عز وجل - : ومن عاد فينتقم الله منه [ المائدة : 95 ] .

18872 - قال داود : لا جزاء إلا في أول مرة ، فإن عاد فلا شيء عليه .

وهو قول مجاهد ، وشريح ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .

18873 - ورواية عن ابن عباس ، قال في المحرم يصيب الصيد ، فيحكم عليه ، ثم يعود قال : لا يحكم عليه إن شاء الله عفا عنه ، وإن شاء انتقم [ ص: 286 ] منه .

18874 - وقال سعيد بن جبير : إن عاد لم يتركه الله حتى ينتقم منه .

18875 - قال أبو عمر : الحجة للجمهور عموم قول الله - عز وجل - : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم [ المائدة : 95 ] .

18876 - وظاهر هذا يوجب على من قتل الصيد وهو محرم الجزاء ; لأنه لم يخص وقتا دون وقت وليس في انتقام الله منه ما يمنع الجزاء ; لأن حسن الصيد المقتول في المرة الأولى وفي الثانية سواء .

18877 - وقد قيل : تلزمه الكفارة انتقاما منه ; لأنه قال في الأولى : ليذوق وبال أمره [ المائدة : 95 ] والمعنى : عفا الله عما سلف في الجاهلية ، ومن عاد فينتقم الله منه . يريد : من عاد في الإسلام ، فينتقم منه بالجزاء ; لأنه لم يكن في الجاهلية ، ولا في شريعة من قبلها من الأنبياء جزاء ، ألا ترى [ ص: 287 ] إلى قول الله - تعالى - : ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم [ الآية ( المائدة : 94 ) ] فكانت شريعة إبراهيم - عليه السلام - تحريم الحرم ولم يكن جزاء إلا على هذه الأمة ، والله أعلم .

18878 - قال أبو عمر : وأما قوله في حديث مالك في هذا الباب ، فقال عمر لرجل إلى جنبه ، تعال حتى نحكم أنا وأنت ، فإن قوله - عز وجل - يحكم به ذوا عدل منكم [ المائدة : 95 ] من المحكم المجتمع عليه .

18879 - إلا أن العلماء اختلفوا ; هل يستأنفون الحكم فيما مضت به من السلف حكومة أو لا ؟ .

18880 - فقال مالك : يستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة ، وفيما لم تمض .

18881 - وهو قول أبي حنيفة .

18882 - وقد روي عن مالك ، أنه إذا اجتزأ بحكم من مضى في ذلك ، فلا بأس .

18883 - والأول أشهر عنه ، وهو تحصيل مذهبه عند أصحابه .

[ ص: 288 ] 18884 - قال ابن وهب : قيل لمالك : أترى أن يكون ما قال عمر يعني لازما في الظبي شاة ؟ فقال : لا أدري ما قال عمر . كأنه أراد أن تستأنف في ذلك حكومة ، وقد قال : إني لا أن يصيب شيء من ذلك اليوم أن تكون فيه شاة .

التالي السابق


الخدمات العلمية