الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
112 [ ص: 101 ] ( 20 ) باب إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلى ولم يذكر . وغسله ثوبه .

92 - مالك : عن إسماعيل بن حكيم أن عطاء بن يسار أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر في صلاة من الصلوات ، ثم أشار بيديه أن امكثوا . فذهب ، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء .


2907 - قد ذكرنا عطاء بن يسار وأخويه بما يجب ، من ذكر المولد ، والوفاة ، والحال ، واللقاء في التمهيد .

[ ص: 102 ] 2908 - وهذا حديث منقطع . وقد روي متصلا مسندا من حديث أبي هريرة ، وحديث أبي بكرة ، وقد ذكرت طرقها في التمهيد .

2909 - وفي بعضها : " أنه كبر " كما في حديث مالك ، وفي بعضها أنه " قام في مصلاه " وفي بعضها أنه لما انصرف " كبر " وفي رواية الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة لهذا الحديث : " فقال لهم : مكانكم " وفي حديث أبي بكرة : " فأومأ [ ص: 103 ] رسول الله بيده : أن مكانكم " وكلامه وإشارته في ذلك سواء ؛ لأنه كان في غير صلاة .

2910 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الحميد بن أحمد ، حدثنا الخضر بن داود ، حدثنا أبو بكر الأثرم ، قال : سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي بكرة : أن النبي - عليه السلام - " أشار أن امكثوا . فذهب ، ثم رجع ، وعلى جلده أثر الغسل ، فصلى بهم : " ما وجهه ؟ قال : وجهه أنه ذهب ، فاغتسل . قيل له : كان جنبا ؟ قال : نعم .

2911 - ثم قال : يرويه بعض الناس أنه كبر ، وبعضهم يقول : لم يكبر . قيل له : فلو فعل هذا إنسان اليوم أكنت تذهب إليه ؟ قال : نعم .

2912 - قال أبو عمر : من ذكر أنه كبر زاد زيادة حافظ يجب قبولها ، وفي حديث مالك وغيره أنه كبر على ما قد أوردناه في التمهيد .

2913 - ومن روى ، أو اعتقد أنه لم يكبر فقد أراح نفسه من الكلام في هذا الباب . وإنما القول والتوجيه فيه على من روى أنه كبر ، ثم قال لهم ، وأشار إليهم : أن امكثوا .

2914 - وقد ظن بعض شيوخنا أن في إشارته إليهم : أن امكثوا دليلا على أنه إذا انصرف إليهم بنى بهم ؛ لأنه لم يتكلم . وهذا جهل ، وغلط فاحش . ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يبني أحد على ما صنع من صلاته وهو غير طاهر . ولا يخلو أمره عليه [ ص: 104 ] السلام إذا رجع من أحد ثلاثة أوجه :

2915 - إما أن يكون بنى على التكبيرة التي كبرها وهو جنب ، وبنى القوم معهم على تكبيرهم فإن كان هذا فهو منسوخ بالسنة والإجماع .

2916 - أما السنة فقوله عليه السلام : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " فكيف يبني على ما صلى وهو غير طاهر ؟ وتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة ، فكيف يجتزئ بها ، وقد عملها على غير طهارة ؟ هذا لا يظنه ذو لب ، ولا يقوله أحد ؛ لأن علماء المسلمين مجمعون على أن الإمام وغيره من المصلين لا يبني أحد منهم على شيء عمله في صلاته وهو على غير طهارة ، وإنما اختلفوا في بناء المحدث على ما قد صلى وهو طاهر قبل حدثه .

2917 - وقد بينا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب في باب بناء الراعف ، والحمد لله .

2918 - والوجه الآخر أن يكون - عليه السلام - حين انصرف بعد غسله استأنف صلاته واستأنفها أصحابه معه بإحرام جديد ، وأبطلوا إحرامهم ، وإن كانوا قد أحرموا معه ، وكان لهم أن يعتدوا به لو استخلف من يتم بهم .

2919 - فإن كان هذا فليس في الحديث معنى يشكل حينئذ على مذهب من روى أنه كبر ثم أشار إليهم أن امكثوا ثم انصرف .

2920 - وأما من روى أنه لم يكبر أولا ، وكبر لما انصرف فليس في روايته شيء [ ص: 105 ] يحتاج إلى قول غير انتظار الإمام إذا كان في الوقت سعة ، وهذا أمر مجتمع على جوازه ولا مدخل أيضا للقول فيه .

2921 - والوجه الثالث أن يكون النبي - عليه السلام - كبر محرما مستأنفا لصلاته ، وبنى القوم خلفه على ما مضى من إحرامهم . فهذا وإن كان فيه النكتة المجيزة لصلاة القوم خلف الإمام الجنب لاستجزائهم بإحرامهم فإنه لا يصح ، ولا يخرج على مذهب مالك ؛ لأنه حينئذ يكون إحرام القوم قبل إحرام إمامهم .

2922 - وهذا غير جائز عند مالك وجمهور الفقهاء ، وإنما أجازه الشافعي في أحد قوليه .

2923 - والصحيح عن الشافعي ما ذكره البويطي وغيره عنه : أن إحرام المأموم لا يصح إلا بعد تكبيرة إمامه في إحرامه ومن كبر قبل إمامه فلا صلاة له . لا يحتمل الحديث غير هذه الأوجه ، ولا يخلو من أحدها . وليس في شيء منها ما يدل على جواز صلاة المأموم الطاهر خلف الإمام الجنب على مذهب مالك ، فتدبره تجده كذلك إن شاء الله .

2924 - وأما الشافعي فيصح الاستدلال بهذا الحديث على أصله في أن صلاة القوم عنده غير مرتبطة بصلاة إمامهم ؛ لأن الإمام قد تبطل صلاته ، وتصح صلاة من خلفه . وقد تبطل صلاة المأموم ، وتصح صلاة الإمام ( بوجوه أيضا كثيرة ) فلذلك لم تكن صلاتهما مرتبطة ، ولذلك لم يضرهم ( عنده ) اختلاف نياتهم ونيته في صلاة واحدة ، لأن كلا يصلي بنفسه ، ولا يحتمل فرضا عن صاحبه . [ ص: 106 ] 2925 - ولذلك أجاز في أحد قوليه إحرام المأمومين قبل إمامهم ، وإن كان لا يستحب لهم ذلك ؛ لأنه مستحيل أن يدخلوا في صلاة إمامهم ولم يدخل فيها بعد . ولأصحابه دلائل واحتجاجات للقولين ليس كتابنا هذا موضعا لذكرها .

2926 - وجملة قول مالك وأصحابه في إمام أحرم بقوم ، فذكر أنه جنب أو على غير وضوء - أنه يخرج ويقدم رجلا ، فإن خرج ولم يقدم أحدا قدموا لأنفسهم من يتم بهم الصلاة ، فإن لم يفعلوا وصلوا أفرادا أجزأتهم صلاتهم ، فإن انتظروه ، ولم يقدموا أحدا لم تفسد صلاتهم .

2927 - وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع قال : إذا انصرف الإمام ، ولم يقدم ، وأشار إليهم امكثوا - كان حقا عليهم ألا يقدموا أحدا حتى يرجع فيتم بهم .

2928 - قال أبو عمر : قوله : فيتم بهم لا يصح في الجنب وغير المتوضئ ، وإنما يصح فيمن أحدث .

2929 - وأما من لم يكن على طهارة فإنه يبتدئ بهم ، لا يتم . وقد أوضحنا هذا بما يغني عن تكراره .

2930 - وقد جعل قوم منهم الشافعي وداود بن علي هذا الحديث أصلا في ترك الاستخلاف لمن أحدث في صلاته .

2931 - فقال الشافعي : الاختيار عندي إذا أحدث الإمام حدثا لا تجوز معه الصلاة : من رعاف ، أو انتقاض وضوء ، أو غيره - أن يصلي القوم فرادى ، ولا يقدموا أحدا ، فإن قدموا ، أو قدم الإمام رجلا فأتم بهم ما بقي من صلاتهم - أجزأتهم صلاتهم .

[ ص: 107 ] 2932 - قال وكذلك لو أحدث الإمام الثاني ، والثالث ، والرابع .

2933 - قال : ولو أن إماما كبر ، وقرأ وركع ، أو لم يركع حتى ذكر أنه على غير طهارة فكان خروجه أو غسله قريبا - فلا بأس أن يقف الناس في صلاتهم حتى يتوضأ ويرجع فيستأنف ، ويتمون لأنفسهم كما فعل رسول الله - عليه السلام - حين ذكر أنه جنب فانتظره القوم ، فاستأنف لنفسه ؛ لأنه لا يعتد بتكبيرة كبرها وهو جنب ، ويتم القوم لأنفسهم ؛ لأنهم لو أتموا لأنفسهم حين خرج عنهم إمامهم أجزأتهم صلاتهم .

2934 - قال : وإن كان خروج الإمام يتباعد ، أو طهارته تثقل صلوا لأنفسهم .

2935 - قال : وسواء أشار إليهم أن ينتظروه أو كلمهم لأنهم في غير صلاة ، فإن انتظروه وكان قريبا فحسن ، وإن خالفوه فصلوا لأنفسهم فرادى ، أو قدموا غيره أجزأتهم صلاتهم .

2936 - قال : والاختيار عندي للمأمومين إذا فسدت على الإمام صلاته أن يبنوا فرادى ، ولا ينتظروه . وليس أحد كرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

2937 - قال الشافعي : ولو أن إماما صلى ركعة ، ثم ذكر أنه جنب ، فخرج واغتسل . وانتظره القوم فرجع فبنى على الركعة فسدت عليه وعليهم صلاتهم ؛ [ ص: 108 ] لأنهم يأتمون به عالمين أن صلاته فاسدة . وليس له أن يبني على ركعة صلاها جنبا .

2938 - قال : ولو علم بعضهم ، ولم يعلم بعض فسدت صلاة من علم ذلك منهم .

2939 - قال أبو عمر : احتج من أجاز انتظار القوم للإمام إذا أحدث بحديث هذا الباب ، وفيه ما ذكرنا من الاختلاف في تكبيره ، - عليه السلام - .

2940 - واحتج أيضا بما حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب ، قال حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب صلى بالناس ، فأهوى بيده ، فأصاب فرجه ، فأشار إليهم : كما أنتم ، فخرج ، فتوضأ ، ثم رجع فأعاد .

2941 - قال أبو عمر : كذا قال " فأعاد " وفيه نظر .

2942 - وقد تقدم في مس الذكر في بابه ما يكفي ، وكذلك في بناء الراعف والمحدث .

2943 - وقال داود : إذا أحدث الإمام في صلاته صلى القوم أفرادا .

2944 - وأما أهل الكوفة وأكثر أهل المدينة فقائلون : بالاستخلاف لمن نابه شيء في صلاته ، فإن جهل الإمام ، ولم يستخلف تقدمهم واحد منهم ، بإذنهم ، أو بغير إذنهم ، وأتم بهم . وذلك عندهم عمل مستفيض .

2945 - إلا أن أبا حنيفة إنما يرى الاستخلاف لمن أحرم وهو طاهر ثم أحدث ، ولا يرى لإمام جنب أو على غير وضوء ، إذا ذكر ذلك في صلاته أن يستخلف .

[ ص: 109 ] 2946 - وليس في هذه المسألة عندي موضع للاستخلاف ؛ لأن القوم عندهم في غير صلاة هم وإمامهم .

2947 - قال أبو عمر : لا تتبين لي حجة من كره الاستخلاف استدلالا بحديث هذا الباب ؛ لأن رسول الله ليس في الاستخلاف كغيره ؛ إذ لا عوض منه ، مع سعة الوقت . ولا يجوز لأحد أن يتقدم بين يديه إلا بإذنه . وقد قال لهم : " مكانكم " فلزمهم أن ينتظروه ، وهذا إذا صح أنه تركهم في صلاة ، وقد قيل إنه لم يكن كبر .

2948 - وقد قال بعض من روى أنه كبر : إنهم استأنفوا معه . فلو صح هذا بطلت النكتة التي منها نزع من كره الاستخلاف .

2949 - وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم ، والصلاة أعظم الدين .

2950 - وفي حديث سهل بن سعد دليل على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر ، وتقدم النبي - عليه السلام - في تلك الصلاة .

2951 - وحسبك بما مضى عليه عمل الناس .

2952 - وسيأتي القول في حديث سهل بن سعد في بابه من هذا الكتاب ، إن شاء الله .

2953 - ذكر مالك حديث عمر بن الخطاب حين صلى وهو جنب ، ثم ذكر فاغتسل ، وغسل ثوبه ، وأعاد صلاته من أربعة طرق ، عن هشام بن عروة منها طريقان ، وطريق عن إسماعيل بن أبي حكيم ، وطريق عن يحيى بن سعيد . وليس في شيء منها [ ص: 110 ] أن القوم الذين صلوا خلفه أعادوا . وفي جميعها غسل المني من ثوبه ، واغتساله ، وإعادته صلاته ، ولا في شيء منها أنه صلى بالناس ، إلا في حديث يحيى بن سعيد ، وهو أحسنها ، ومعلوم أنه كان إمامهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية