الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
115 93 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار ، أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح ، ثم غدا إلى أرضه بالجرف ، فوجد في ثوبه احتلاما ، فقال : إنا لما أصبنا الودك لانت العروق . فاغتسل ، وغسل الاحتلام من ثوبه ، [ ص: 111 ] وعاد لصلاته .

94 - وفي حديثه عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن سليمان بن يسار ، أن عمر بن الخطاب غدا إلى أرضه بالجرف ، فوجد في ثوبه احتلاما ؛ فقال : لقد ابتليت بالاحتلام منذ وليت أمر الناس فاغتسل ، وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام ، ثم صلى بعد أن طلعت الشمس .


2954 - وليس في حديثي سليمان بن يسار أنه غسل من ثوبه ما رأى فيه الاحتلام ، ونضح ما لم ير ، وذلك في حديثي هشام بن عروة .

2955 - ففي غسل عمر الاحتلام من ثوبه دليل على نجاسته ؛ لأنه لم يكن ليشتغل مع شغل السفر بشيء طاهر .

2956 - ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر : أنه نجس .

2957 - وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه . ولو لم تكن له علة جامعة بين ذلك إلا خروجه مع البول والمذي والودي مخرجا واحدا لكفى .

[ ص: 112 ] 2958 - وأما الرواية المرفوعة فيه فروى عمرو بن ميمون بن مهران ، عن سليمان بن يسار عن عائشة ، قالت : كنت أغسله من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

2959 - وروى همام بن الحارث ، والأسود عن عائشة : كنت أفركه من ثوب رسول الله .

2960 - وحديث همام بن الحارث والأسود أثبت من جهة الإسناد .

[ ص: 113 ] 2961 - ولا حجة في غسله ؛ لأنه جائز غسل المني وفركه عند من رآه طاهرا ، كما يجوز غسل الطين الطري وفركه إذا يبس .

2962 - وأما اختلاف السلف والخلف في نجاسة المني فروي عن عمر بن الخطاب ، وجابر بن سمرة : أنهم غسلوه من ثيابهم وأمروا بغسله .

2963 - ومثله عن ابن عمر وعائشة على اختلاف عنهما .

2964 - وروينا عن جبير بن نفير أنه أرسل إلى عائشة يسألها عن المني في الثوب . فقالت : إن شئت فاغسله ، وإن شئت فاحككه .

2965 - وروي عن سعيد بن المسيب أنه أمر بغسله ، وروي عنه أنه قال : إذا صلى فيه لم يعد .

2966 - وقال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا .

2967 - وعن الأوزاعي نحوه .

2968 - ولا يجزئ عند مالك وأصحابه في المني ولا في سائر النجاسات إلا الغسل بالماء ، ولا يجزئ فيه عنده الفرك ، وأنكره ، ولم يعرفه .

2969 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فالمني عندهم نجس ، ويجزئ فيه الفرك على أصلهم في النجاسة : أنه يطهرها كل ما أزال عينها من الماء وغير الماء .

2970 - وقال الثوري : يفرك ، فإن لم يفركه أجزته صلاته .

[ ص: 114 ] 2971 - وقال الحسن بن حي : لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كثر ، وتعاد من المني في الجسد وإن قل .

2972 - وكان يفتى مع ذلك بفركه من الثوب إذا كان يابسا ، وبغسله إذا كان رطبا .

2973 - وقال الليث بن سعد : هو نجس ، ويعيد منه في الوقت ، ولا يعيد بعده . ويفركه من ثوبه بالتراب قبل أن يصلي .

2974 - وقال الشافعي : المني طاهر ، ويفركه من ثوبه إذا كان يابسا ، وإن لم يفركه فلا بأس به .

2975 - وأما النجاسات فلا يطهرها عنده إلا الغسل بالماء . كقول مالك سواء .

2976 - والمني عند أبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود طاهر ، كقول الشافعي . ويستحبون غسله رطبا ، وفركه يابسا .

2977 - وهو قول سعد بن أبي وقاص . وعبد الله بن عباس . كان سعد يفرك المني من ثوبه . وقال ابن عباس : هو كالنجاسة ، أمطه عنك بإذخرة ، وامسحه بخرقة .

2978 - وكذلك التابعون مختلفون بالحجاز والعراق على هذين القولين : منهم من يرى فركه ، ومنهم من لا يرى إلا غسله ، ويطول الكتاب بذكرهم .

2979 - وأما قول عمر - رحمه الله - " أغسل ما أرى ، وأنضح ما لم أر - فالنضح - لا محالة - ها هنا : الرش ؛ بدليل قوله : أغسل ما رأيت . فجعل النضح غير الغسل [ ص: 115 ] وهو الظاهر في النضح وإن كان قد يعبر في مواضع بالنضح عن الغسل ، على حسب ما يفهمه السامع .

2980 - ولا خلاف بين العلماء أن النضح في حديث عمر هذا معناه الرش ، وهو عند أهل العلم طهارة ما شك فيه ، كأنهم جعلوه دفعا للوسوسة . ندب بعضهم إلى ذلك ، وأباه بعضهم ، وقال : لا يزيده النضح إلا شرا .

2981 - وفي رواية أخرى : لا يزيده النضح إلا قذرا . والأصل في الثوب الطهارة ، وكذلك الأرض ، وجسد المؤمن حتى يصح حلول النجاسة في شيء من ذلك .

2982 - فمن استيقن حلول المني في ثوبه غسل موضعه منه ، إذا اعتقد نجاسته ، كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا . وإن لم يعرف موضعه غسله كله ، فإن شك هل أصاب ثوبه شيء منه أم لا نضحه بالماء على ما وصفنا . وعلى هذا مذهب الفقهاء لما ذكرنا .

2983 - روى معمر ، عن الزهري ، عن طلحة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، أنه كان يقول في الجنابة تصيب الثوب : إن رأيت أثره فاغسله ، وإن خفي عليك فاغسل الثوب كله ، وإن شككت فلم تدر أأصاب الثوب أم لا فانضحه .

2984 - وروي نحو ذلك عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وأنس بن مالك ، وابن سيرين ، والشعبي ، وجماعة من التابعين .

2985 - وقال عيسى بن دينار : من صلى بثوب مشكوك في نجاسته أعاد في الوقت .

[ ص: 116 ] 2986 - وقال ابن نافع : لا إعادة عليه . وهو الصواب ؛ لما قدمنا في كل شيء طاهر : أنه على طهارته حتى يصح حلول النجاسة فيه .

2987 - وأما قول عمر : " لقد ابتليت بالاحتلام منذ وليت أمر الناس " فذلك - والله أعلم - باشتغاله بأمور المسلمين ليلا ونهارا عن النساء .

2988 - وأما قوله لعمرو بن العاص حين قال له : دع ثوبك يغسل ، فقال : " لو فعلتها لكانت سنة " فإنما كان ذلك لعلمه بمكانه من قلوب المؤمنين ولاشتهار قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي " وأنهم كانوا يمتثلون أفعالهم فخشي التضييق على من ليس له إلا ثوب واحد . وكان - رحمه الله - يؤثر التقلل من الدنيا ، والزهد فيها .

2989 - وفي إعادة عمر صلاته وحده دون الذين صلوا خلفه دليل على صحة ما ذهب إليه الحجازيون : أنه لا يعيد من صلى خلف الجنب وغير المتوضئ ، إذا لم يعلموا حاله .

2990 - وأما اختلاف العلماء في القوم يصلون خلف إمام ناس لجنابته فقال مالك وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأصحابه : لا إعادة عليهم .

2991 - وروي عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب . وعليه أكثر العلماء .

[ ص: 117 ] 2992 - وحسبك بحديث عمر ، فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح ، ثم غدا إلى أرضه بالجرف ، فوجد في ثوبه احتلاما ، فغسله ، واغتسل ، وأعاد صلاته وحده ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة .

2993 - وهذا في جماعتهم من غير نكير من واحد منهم ، وقد روي عنه أنه أفتى بذلك .

2994 - وروى شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، قال : قال عمر في جنب صلى بقوم ، قال : يعيد ولا يعيدون .

2995 - قال شعبة ، وقال حماد : أعجب إلي أن يعيدوا .

2996 - وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي في الجنب يصلي بالقوم ، قال : يعيد ، ولا يعيدون .

2997 - روى أحمد بن حنبل ، قال حدثنا هشيم ، عن خالد بن سلمة ، قال : أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار فإذا هو بأثر الجنابة ، فقال : كبرت والله ! كبرت والله ! فأعاد الصلاة ، ولم يأمرهم أن يعيدوا .

2998 - ذكره أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل ، قال : وسمعت أحمد يقول : يعيد ولا يعيدون . قال : سألت سليمان بن حرب عن ذلك ، فقال : إذا صح لنا عن عمر [ ص: 118 ] شيء اتبعناه ولم نعده ، نعم ، يعيد ، ولا يعيدون .

2999 - وذكر عن الحسن ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير مثله .

3000 - وهو قول إسحاق ، وأبي ثور ، وداود .

3001 - إلا أن الأثرم حكى عن أحمد قال : إذا صلى إمام بقوم وهو على غير وضوء ، ثم ذكر قبل أن يتم فإنه يعيد ويعيدون ، ويبتدئون الصلاة ، فإن لم يذكر حتى يفرغ من صلاته أعاد وحده ، ولم يعيدوا .

3002 - كأنه استعمل حديث النبي - عليه السلام - وحديث عمر .

3003 - وقال أبو حنيفة : عليهم الإعادة ؛ لأن صلاتهم مرتبطة بصلاة إمامهم . فإذا لم تكن له صلاة لم تكن لهم .

3004 - وهو قول الشعبي وحماد بن أبي سليمان ، وروي عن علي مثله .

3005 - ذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين ، عن علي - رضي الله عنه - وهو غير متصل .

3006 - واختلف مالك والشافعي - والمسألة بحالها - في الإمام يتمادى في صلاته ، ذاكرا لجنابته ، أو ذاكرا أنه على غير وضوء ، أو مبتدئا صلاته كذلك ، وهو مع ذلك معروف بالإسلام .

3007 - فقال مالك وأصحابه : إذا عرف الإمام بأنه على غير طهارة ، وتمادى في صلاته - بطلت صلاة من خلفه ؛ لأنه أفسدها عليهم .

3008 - وقال الشافعي : صلاة القوم جائزة تامة ، ولا إعادة عليهم ، إذا لم يعلموا حال إمامهم ؛ لأنهم لم يكلفوا علم ما غاب عنهم ، وقد صلوا خلف رجل مسلم في علمهم .

3009 - وهو قول أكثر القائلين بأن الإعادة على من صلى خلف إمام جنب ناس [ ص: 119 ] لجنابته ، وإليه ذهب ابن نافع صاحب مالك .

3010 - ومن حجتهم أنه لا فرق بين عمد الإمام ونسيانه ؛ لأنهم لم يكلفوا علم الغيب في حاله ، وإنما تفسد صلاتهم إذا علموا بأن إمامهم على غير طهارة ، فتمادوا خلفه ، فيكونون حينئذ المفسدين على أنفسهم . وأما هو فغير مفسد بما لا يظهر من حاله إليهم ، لكن حاله في نفسه تختلف : فيأثم في عمده إن تمادى بهم ، ولا إثم عليه إن لم يعلم ذلك ، وسها عنه .

3011 - وأما قول مالك فيمن رأى في ثوبه احتلاما لا يدري متى كان ؟ ولا يذكر شيئا رآه في منامه : إنه يغتسل ، ويعيد ما صلى من أحدث نوم نامه ، ولم يعد ما كان قبله - فهذا من قول مالك يرد قول : يرون على من شك في حدثه بعد أن أيقن بالوضوء إعادة الوضوء قال : وذلك أنه صلى بطهارة مشكوك فيها .

3012 - وخالفه أكثر العلماء في ذلك ، فلم يروا الشك عملا ، ولا دفعوا به اليقين في الأصل .

3013 - وكان ابن خواز منداذ يقول : قول مالك فيمن شك في الحدث وهو على طهارة : إن عليه الوضوء - استحباب واستحسان .

3014 - وكان عبد الملك بن حبيب يقول : الوضوء عليه واجب ، ويقول في هذه المسألة : يلزمه أن يعيد ما صلى من أول نوم نامه في ذلك الثوب إذا كان عليه ، لا يلبس معه غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية