الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1028 984 - وذكر مالك في هذا الباب ، عن يحيى بن سعيد ; أنه قال : كان علي مشي . فأصابتني خاصرة ، فركبت ، حتى أتيت مكة . فسألت عطاء بن أبي رباح وغيره . فقالوا : عليك هدي . فلما قدمت المدينة ، سألت علماءها فأمروني أن أمشي مرة أخرى من حيث عجزت . فمشيت .


[ ص: 31 ] 20817 - قال أبو عمر : فيما ذكره مالك ما يوضح لك أن فتوى أهل مكة ، بالهدي بدلا من المشي ، وفتوى أهل المدينة بالمشي من حيث عجز من غير هدي .

20818 - وأجمع مالك عليه الأمرين جميعا احتياطا لموضع تعديه المشي الذي كان يلزمه في سفر واحد ، وجعله في سفرين ، قياسا على المتمتع والقارن ، - والله أعلم - فخالف بذلك الطائفتين معا ، إلا أنه قد روي مثل قول مالك عن طائفة من السلف .

20819 - ذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، - عن الشعبي ، عن ابن عباس : أن رجلا نذر أن يمشي إلى مكة ، إذا أعيا ركب ، فإذا كان عام قابل مشى ما ركب ، وركب ما مشى ، وأهدى بدنة .

20820 - قال أبو عمر : كان نذره حجا ، فلذلك قال له : فإذا كان عام قابل ، ولو كان في عمرة لم يؤخره إلى قابل ; لأن العمرة تقضى في كل السنة ، إلا في أيام عمل الحج .

20821 - ذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، أنه سئل عن رجل يمشي إلى الكعبة ، فمشى نصف الطريق ، وركب نصفا ؟ فقال عامر : قال ابن عباس : يركب ما مشى ، ويمشي ما ركب من قابل ، ويهدي بدنة .

[ ص: 32 ] 20822 - وخالف عبد الله بن الزبير في هذه المسألة عبد الله بن عباس ، فلم يوجب الهدي ، كقول سلف أهل المدينة .

20823 - ذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن الأجلح ، عن عمرو بن سعيد البجلي ، قال : كنت تحت ممشى ابن الزبير ، وهو عليه ، فجاء رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إني نذرت أن أحج ماشيا ، فمشيت حتى إذا كان موضع كذا خشيت أن يفوتني الحج فركبت ، فقال ابن الزبير : ارجع عام قابل ، فاركب ما مشيت ، وامش ما ركبت .

20824 - وروي عن إبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، عن كل واحد منهما روايتان : ( إحداهما ) مثل قول ابن عباس ، ( والأخرى ) مثل قول ابن عمر ، وابن الزبير .

20825 - وعن الحسن رواية ثالثة كقول عطاء ذكرها ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن الحسن ، في رجل نذر أن يحج ماشيا ، قال : يمشي ، فإذا انقطع ، ركب وأهدى .

20826 - فالثلاثة الأقوال مشهورة عن علماء السلف محفوظة .

20827 - أحدها : يعود ويمشي من حيث ركب ولا هدي .

[ ص: 33 ] 20828 - والثاني : يهدي ولا يعود إلى المشي .

20829 - والثالث : أن يعود فيمشي ، ثم يهدي .

20830 - روي هذا عن ابن عباس من طريق ثابت .

20831 - وروي عن علي أيضا من وجه فيه ضعف .

20832 - وقد روي عن علي قول رابع فيمن نذر المشي إلى الكعبة في حج أو عمرة أنه يخير ، إن شاء مشى ، وإن شاء ركب وأهدى .

20833 - رواه قتادة ، عن الحسن ، عن علي ، والحكم بن عيينة ، عن إبراهيم ، عن علي .

20834 - وروى موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن قسيط مثله .

20835 - قال الشافعي : من نذر المشي إلى بيت الله لزمه ، إن قدر على المشي ، فإن لم يقدر ، ركب ، وأهراق دما احتياطا ، من قبل أنه إذا لم يطق شيئا سقط عنه .

20836 - وهو قول مالك في الهدي الواجب عنده في هذا الباب بدنة أو بقرة ، فإن لم يجد أهدى شاة .

[ ص: 34 ] 20837 - هذا قوله في " الموطأ " وغيره .

20838 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : من حلف بالمشي إلى بيت الله ، أو إلى مكة ، ثم حنث ، أنه يمشي وعليه حجة أو عمرة ، فإن ركب في ذلك أجزأه ، وعليه دم .

20839 - وأجازوا له الركوب ، وإن لم يعجز عن المشي مع الدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية