الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1049 [ ص: 180 ] ( 5 ) الشركة في الضحايا ، وعن كم تذبح البقرة والبدنة

1006 - مالك ، عن أبي الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله أنه قال : نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية ، البدنة عن سبعة . والبقرة عن سبعة .

1007 - مالك عن عمارة بن يسار أن عطاء بن يسار أخبره ، أن أبا أيوب الأنصاري أخبره ، قال : كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل [ ص: 181 ] عنه وعن أهل بيته . ثم تباهى الناس بعد ، فصارت مباهاة .

قال مالك ، أحسن ما سمعت في البدنة والبقرة والشاة الواحدة أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته البدنة ويذبح البقرة والشاة الواحدة ، فهو يملكها . ويذبحها عنهم ويشركهم فيها .

فأما أن يشتري النفر البدنة أو البقرة أو الشاة ، يشتركون فيها في النسك والضحايا . فيخرج كل إنسان منهم حصة من ثمنها . ويكون له حصة من لحمها .

فإن ذلك يكره . وإنما سمعنا الحديث أنه لا يشترك في النسك . وإنما يكون عن أهل البيت الواحد .

1008 - مالك ، عن ابن شهاب أنه قال : ما نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 182 ] عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة ، أو بقرة واحدة .

قال مالك : لا أدري أيتهما قال ابن شهاب .


21484 - قال أبو عمر : أما حديث مالك عن أبي الزبير ، عن جابر في عام الحديبية أنهم نحروا البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، وهم مع رسول الله .

21485 - ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صده المشركون يومئذ عن البيت حين صالحوه . فلما تم الصلح نحر من كان معه هدي ، وكان رسول الله قد ساق معه الهدي ، وهدي المحصر بعد .

21486 - وعند مالك ليس بواجب ، وإنما هو تطوع لأنه ليس على المحصر بعد وغيره هدي .

21487 - وأوجبه أشهب .

21488 - وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما .

21489 - ولما لم يكن الهدي واجبا عند مالك عام الحديبية إذ نحروا البدنة ، [ ص: 183 ] والبقرة عن سبعة لم ير الاشتراك في الهدي الواجب ، ولا في الضحية .

21490 - واختلف قوله في الاشتراك في هدي التطوع .

21491 - وقال مالك : تفسير حديث جابر في التطوع ، ولا يشترك في الهدي الواجب .

21492 - قال : وأما في العمرة متطوعا ، فلا بأس بذلك - يعني لا بأس بالاشتراك في هديها .

21493 - ذكر ذلك ابن عبد الحكم .

21494 - وكذلك ذكر ابن المواز .

21495 - وقال ابن المواز : لا يشترك في هدي واجب ، ولا تطوع ، ثم قال : وأرجو أن يكون خفيفا في التطوع .

21496 - وروى ابن القاسم ، عن مالك أنه لا يشترك في هدي واجب ، ولا في هدي تطوع ، ولا في نذر ، ولا في جزاء صيد ، ولا فدية .

21497 - وهو قول ابن القاسم .

21498 - قال : وقال مالك : جائر أن يذبح الرجل البدنة ، أو البقرة عن نفسه ، [ ص: 184 ] وعن أهل بيته ، وإن كانوا أكثر من سبعة يشركهم فيها ، ولا يجوز عنده ، أن يشتروها بينهم بالشركة ، فيذبحوها ، إنما تجزئ إذا تطوع بها عن أهل بيته ، ولا تجزئ عن الأجنبيين .

21499 - وقول الليث في ذلك نحو قول مالك .

21500 - قال : لا تذبح البدنة ، ولا البقرة إلا عن واحد ، إلا أن يذبحها الرجل عنه ، وعن أهل بيته .

21501 - قال أبو عمر : حجة من ذهب مذهب مالك والليث في هذا : حديث مالك ، عن ابن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يذبح عن أهل بيته ألا بقرة واحدة .

21502 - وقد رواه غير مالك ، عن ابن شهاب عن عروة وعمرة ، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر عن نسائه بقرة واحدة ولا يصح من جهة النقل .

21503 - وروي من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة مثله .

[ ص: 185 ] 21504 - ذكر أبو عيسى الترمذي ، قال : حدثني إسحاق بن منصور ، قال : حدثني هشام بن عمار ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن .

21505 - قال أبو عيسى : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ؟ فقال : إن الوليد بن مسلم لم يقل فيه : حدثنا الأوزاعي ، وأراد أخذه عن يوسف بن السفر ، ويوسف بن السفر ذاهب الحديث ، وضعف محمد هذا الحديث .

21506 - ومن حجة من ذهب مذهب مالك أيضا في ذلك قول أبي أيوب [ ص: 186 ] الأنصاري : كنا نضحي بالشاة الواحدة .

21507 - وقد تقدم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشرك عليا عام حجة الوداع في هديه ، وكان مفردا عندهم ، فكان هديه تطوعا .

21508 - واحتج ابن خواز بنداذ بالإجماع على أنه لا يجوز أن يشترك في الكبش الواحد النفر .

21509 - قال : فكذلك الإبل ، والبقر .

21510 قال أبو عمر : ما زاد على أن جمع بين ما فرقت السنة .

21511 - وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي : تجزئ البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، مضحين ، ومهدين ، قد وجب عليهم الدم من متعة ، أو فراق ، أو حصر بمرض ، أو عدو ، ولا تجزئ البدنة ، والبقرة عن أكثر من سبعة ، ولا تجزئ الشاة إلا عن واحد ، وهي أقل ما استيسر من الهدي .

21512 - وبهذا كله قال أحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق ، وداود ، والطبري .

21513 - وقال زفر : لا تجزئ حتى تكون الجهة الموجبة للدم عليهم كلهم .

21514 - أما جزاء صيد لله ، أو تطوع لله ، فإن اختلف لم تجزئ .

21515 - قال الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل : ثمانية نفر ضحوا ، أو أهدوا [ ص: 187 ] بدنة ، أو بقرة ، قال : لا يجزئهم ، ولا يجزئ عن أكثر من سبعة .

21516 - قال جابر : إن يشترك النفر السبعة في الهدي ، والضحية يشترونها ، فيذبحونها عنهم إذا كانت بقرة ، أو بدنة .

21517 - قال أبو عمر : حجة هؤلاء كلهم حديث جابر ، وما كان مثله أن رسول الله أجاز البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

21518 - وضعفوا حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم الذي فيه ما يدل على أن البدنة نحرت يوم الحديبية عن عشرة أو أكثر من سبعة ، وقالوا : هو مرسل ، خالفه ما هو أثبت ، وأصح منه .

21519 - والمسور لم يشهد الحديبية ، ومروان لم ير النبي - عليه السلام - .

21520 - وقال بهذا القول أكثر الصحابة - رضوان الله عليهم .

21521 - وأما حديث جابر فرواه عنهم جماعة ، منهم : أبو الزبير ، وعطاء بن أبي رباح ، والشعبي ، رواه ابن جريج ، وقيس بن سعد ، وعبد الملك بن أبي سليمان ، كلهم عن عطاء ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة يعني يوم الحديبية .

21522 - وحدثني سعيد ، وعبد الوارث ، قالا : حدثني قاسم ، قال : حدثني [ ص: 188 ] إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني عبد الواحد ، قال : حدثني مجالد قال : حدثني الشعبي ، عن جابر ، قال : سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزور عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

21523 - وروى يحيى القطان ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أنه سمعه يقول : اشتركنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج ، كل سبعة في بدنة .

21524 - حدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثني المعلى بن أسد ، قال : حدثني عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثني مجالد بن سعيد ، قال : حدثني الشعبي : قال سألت ابن عمر : قلت : الجزور ، والبقرة تجزئ عن سبعة ؟ فقال : يا شعبي أولها سبعة أنفس فقال : قلت إن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن الجزور ، والبقرة عن سبعة ، فقال ابن عمر لرجل : كذلك يا فلان ؟ قال : نعم ، قال : ما سمعت ، فهذا . 21525 - وذكرنا في التمهيد ، من حديث قتادة ، عن أنس في حديث الحديبية ونحر الهدي .

[ ص: 189 ] 21526 - قال قتادة : كانت معهم - يومئذ - سبعون بدنة ، بين كل سبعة بدنة .

21527 - وهذا يدل على أنهم كانوا أربع مائة وتسعين .

21528 - قال أبو عمر ، : قد روي من حديث رافع بن خديج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - البدنة عن عشرة ، ومن حديث ابن عباس ، والمسور بن مخرمة .

21529 - وروى الزهري ، عن عروة ، عن مروان ، والمسور أنهم كانوا يوم الحديبية بضع عشرة مائة .

21530 - وروى محمد بن إسحاق أنهم كانوا سبع مائة ، فنحر عنهم سبعين بدنة .

21531 - وروي عن جابر أنهم كانوا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة .

21532 - وكذلك قال معقل بن يسار ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وكانا ممن شهد الحديبية .

21533 - وقد روى سعيد بن المسيب ، عن جابر أنهم كانوا ألفا وخمس مائة .

21534 - وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في صدر كتاب الصحابة .

21535 - قال أبو عمر : وهذه الأعداد مجملة محتملة للتأويل ; لأنه [ ص: 190 ] ممكن أن تكون فيهم جماعة ساقوا عن أنفسهم الهدي ، فلم يدخلوا فيمن أريد بالنحر في الحديبية ; لأن الحديث إنما قصد فيه إلى من أشرك بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدنة ، أو بقرة .

21536 - وحديث : نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية البدنة عن سبعة واضح ، لا مدخل فيه للتأويل ، وحسبك بقول جابر : سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

21537 - وقال أبو جعفر الطبري : أجمعت الأمة على أن البدنة والبقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة .

21538 - قال : وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس ، وما كان مثله خطأ ، ووهم أو منسوخ .

21539 - وقال أبو جعفر الطحاوي : قد اتفقوا على جوازها عن سبعة ، واختلفوا فيما زاد ، فلا تثبت الزيادة إلا بتوقيف ، لا معارض له ، أو اتفاق .

[ ص: 191 ] 21540 - قال أبو عمر : أي اتفاق يكون على جوازها عن سبعة ! ! ومالك ، والليث يقولان : لا تجزئ البدنة إلا عن سبعة ، إلا أن يذبحها الرجل على أهل بيته ، فتجوز عن سبعة حينئذ ، وعن أقل ، وعن أكثر ; وسلفهما في ذلك أبو أيوب الأنصاري ، وأبو هريرة ، وغيرهما .

21541 - فأما حديث أبي أيوب ، ففي " الموطأ " .

21542 - وذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن رجل ، عن أبي هريرة قال : لا بأس أن يضحي الرجل بالشاة عن أهل بيته .

2153 - قال : وأخبرنا الثوري ، عن خالد ، عن عكرمة : أن أبا هريرة كان يذبح الشاة ، فيقول أهله : وعنا ؟ فيقول : وعنكم .

21544 - قال : وأخبرنا الأسلمي ، عن أبي جابر البياضي ، عن ابن المسيب ، عن عقبة بن عامر ، قال : قسم لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنما ، فصار لي منها جذع ، فضحيت به عني ، وعن أهل بيتي ، ثم سألت النبي - عليه السلام - فقال : " قد [ ص: 192 ] جزى عنكم " .

21545 - قال أبو عمر : أبو جابر البياضي متروك الحديث .

21546 - قال : وأخبرنا الأسلمي ، عن يونس بن سيف ، عن ابن المسيب ، قال : ما كنا نعرف إلا ذاك ، حتى خالطنا أهل العراق ، فضحوا عن كل واحد بشاة ، وكان أهل البيت يضحون بالشاة .

21547 - قال أبو عمر : تطوع الرجل عن أهل بيته كتطوع النبي - عليه [ ص: 193 ] السلام - أنه قال في ضحيته : هذا عني ، وعن من لم يضح من أمتي ، وكأنهم أهل بيت له ، والله أعلم .

21548 - وهذا يصح على مذهب من لم يوجب الأضحية ، وهم أكثر العلماء ، ويدخل - حينئذ - من لم يضح ذلك العام من أمته في ثواب تلك الضحية . 21549 - وكذلك سائر أهل بيت الرجل ، يشركهم في ثوابها ، وإن لم يكونوا يملكون شيئا منها .

21550 - قال أنس : ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبشين ذبحهما بيده ، فقال : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم عن محمد ، وأمته .

[ ص: 194 ] 21551 - قال . وأخبرنا عبد الله ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني قتيبة بن سعيد ، قال : أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني ، عن عمرو ، عن المطلب ، عن جابر ، قال : شهدت مع رسول الله [ ص: 195 ] صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى ، فلما قضى خطبته ، نزل عن منبره ، وأتي بكبش ، فذبحه بيده ، وقال : بسم الله ، والله أكبر ، هذا عني ، وعن من لم يضح من أمتي .

21552 - وقد احتج بعض أصحابنا في هذا الحديث عن ابن عون ، عن أبي رملة ، عن مخنف بن سليم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ، أتدرون ما العتيرة ؟ هي التي يقول الناس : إنها الرجبية .

21553 - قال أبو عمر : هذا لا حجة فيه ; لأن قوله : أضحاة يحتمل أن يكون عن كل واحد منهم إن وجد سعة ، والعتيرة منسوخة بالأضحى عند الجميع ، وهو ذبح كانوا يذبحونه في رجب في الجاهلية ، وكان في أول الإسلام ، ثم نسخ .

[ ص: 196 ] 21554 - ويحتمل قوله : على أهل كل بيت أضحى إن شاءوا ، فيكون ندبا بدليل حديث أم سلمة : من أراد منكم أن يضحي .

21555 - وقد تقدم القول في هذا المعنى .

21556 - وحديث أبي رملة ، عن مخنف بن سليم ليس بالبين أيضا ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية