الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
130 [ ص: 191 ] ( 25 ) باب طهر الحائض

105 - مالك ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، مولاة عائشة أم المؤمنين ؛ أنها قالت : كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة من دم الحيضة ، يسألنها عن الصلاة . فتقول [ ص: 192 ] لهن : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء . تريد بذلك ؛ الطهر من الحيضة .

106 - عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته عن ابنة زيد بن ثابت ؛ أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فكانت تعيب ذلك عليهن . وتقول : ما كان النساء يصنعن هذا .


3354 - وفي حديث عائشة هذا ما كان نساء السلف عليه : من الاهتبال بأمر الدين ، وسؤال من يطمع بوجود علم ما أشكل عليهن عنده قالت عائشة : رحم الله نساء الأنصار ؛ لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن .

3355 - قال أبو عمر : وهكذا المؤمن مهتبل بأمر دينه فهو رأس ماله كما قال الحسن : رأس مال المؤمن دينه لا يخلفه في الرحال ولا يأتمن عليه الرجال .

3356 - وأما قوله : " الدرجة " فمن رواه هكذا فهو على تأنيث الدرج وكان الأخفش يرويه الدرجة ، ويقول : ( هي ) جمع درج ، مثل خرجة وخرج ، وترسة ، [ ص: 193 ] وترس .

3357 - وأما الكرسف : فالقطن ، والصفرة : بقية دم الحيض .

3358 - واختلف قول مالك في الصفرة والكدرة .

3359 - ففي " المدونة " لابن القاسم عنه : أنه قال في المرأة ترى الصفرة والكدرة في أيام حيضتها وفي غير أيام حيضتها ، قال مالك : ذلك حيض ، وإن لم تر مع ذلك دما .

3360 - وذكر ابن عبدوس في المجموعة لعلي بن زياد عن مالك قال : ما رأت المرأة من الصفرة والكدرة في أيام الحيض أو في أيام الاستطهار فهو كالدم ، وما رأته بعد ذلك فهو استحاضة . وهذا قول صحيح ، إلا أن الأول أشهر عنه .

3361 - وقد اختلف علماء المدينة على هذين القولين .

3362 - وأما قول الشافعي ، والليث بن سعد ، وعبيد الله بن الحسين فهو : أن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض .

3363 - وهو قول أبي حنيفة ، ومحمد .

3364 - وقال أبو يوسف : لا تكون الكدرة حيضا إلا بأثر الدم .

3365 - وهو قول داود : أن الصفرة والكدرة لا تعد حيضا إلا بعد الحيض لا قبله ؛ لأن الأمة قد اختلفت فيهما قبل الحيض وبعده ، فما اختلفوا فيه من ذلك قبل لم يثبت ، إذ لا دليل عليه .

3366 - وأما اختلافهم فيهما بعد فلن يزول ما أجمعوا عليه إلا بالإجماع ، وهو : النقاء بالجفوف والقصة البيضاء .

[ ص: 194 ] 3367 - واحتج بحديث أم عطية : " كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة بعد الغسل شيئا " .

3368 - قال : تريد بعد الطهر ، وأما ما اتصل منها بالحيض فهو من الحيض .

3369 - قال أبو عمر : القياس أن الصفرة والكدرة قبل الحيض وبعده سواء كما أن الحيض في كل زمان سواء وما احتج به داود لا معنى له .

3370 - واختلف أصحاب الشافعي ، وأصحاب أبي حنيفة في ذلك أيضا : فمرة قالوا : الصفرة والكدرة حيض في أيامها المعهودة ، ومرة قالوا : ليس ذلك بحيض على جميع الأحوال .

3371 - ولم يختلف قول مالك وأصحابه أنها حيض في أيام الحيض .

3372 - وأما قول عائشة : " لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء " فإنها تريد : لا تعجلن بالاغتسال إذا رأيتن الصفرة ؛ لأنها بقية من الحيضة ، حتى ترين القصة البيضاء ، وهو الماء الأبيض الذي يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض ( يشبه ) لبياضه بالقص . وهو الجص .

3373 - ومنه الحديث : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تقصيص القبور . ويروى : عن تجصيص القبور ، يريد تلبيسها بالجص .

[ ص: 195 ] 3374 - واختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر :

3375 - ففي " المدونة " قال مالك : إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتى تراها ، إلا أن يطول ذلك بها .

3376 - وقال ابن حبيب : تطهر بالجفوف . وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء .

3377 - قال : والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء فمن كان طهرها القصة البيضاء فرأت الجفوف فقد طهرت .

3378 - قال : ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء ، حتى ترى الجفوف .

3379 - قال : وذلك أن أول الحيض دم ، ثم صفرة ، ثم كدرة ، ثم يكون نقاء كالقصة ثم ينقطع . فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض .

3380 - قال : والجفوف أبرأ ، وأوعب وليس بعد الجفوف انتظار شيء .

3381 - وأما قول ابنة زيد بن ثابت فإنما أنكرت على النساء افتقادهن أحوالهن في غير أوقات الصلوات وما قاربها ؛ لأن جوف الليل ليس بوقت للصلاة ، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن ( للصلاة ) في أوقات الصلوات فإن كن قد طهرن تأهبن بالغسل لما عليهن من الصلاة .

[ ص: 196 ] 3382 - وفي هذا الباب : سئل مالك عن الحائض تطهر ، فلا تجد ماء : أتتيمم ؟ قال : نعم ، فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد الماء تيمم . وهذا إجماع - كما قال - مالك - لا خلاف فيه ، والحمد لله ه .

التالي السابق


الخدمات العلمية