الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1131 [ ص: 180 ] ( 9 ) باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته

1083 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ; أنه قال : سئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج امرأة ، ثم فارقها قبل أن يصيبها . هل تحل له أمها ؟ فقال زيد بن ثابت : لا ، الأم مبهمة . ليس فيها شرط ، وإنما الشرط في الربائب .

1084 - مالك ، عن غير واحد ; أن عبد الله بن مسعود استفتي وهو بالكوفة ، عن نكاح الأم بعد الابنة ، إذا لم تكن الابنة مست . فأرخص في ذلك . ثم إن ابن مسعود قدم المدينة . فسأل عن ذلك ، فأخبر أنه ليس كما قال . وإنما الشرط في الربائب . فرجع ابن مسعود إلى الكوفة ، فلم يصل إلى منزله ، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك . فأمره أن يفارق امرأته .


23937 - قال أبو عمر : قال الله ، عز وجل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى قوله : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [ النساء : 23 ] .

23938 - فأجمعت الأمة أن الرجل إذا تزوج امرأة ، ولها ابنة ، أنه لا تحل له الابنة بعد موت الأم ، أو فراقها إن كان دخل بها ، وإن كان لم يدخل بالأم حتى فارقها ، حل له نكاح الربيبة ، وأن قوله - عز وجل : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [ ص: 181 ] [ النساء : 23 ] شرط صحيح في الربائب اللاتي في حجورهم .

23939 - واختلفوا إذا لم تكن الربيبة في حجره بما سنورده بعد في موضعه ، إن شاء الله تعالى .

23940 - واختلفوا في أمهات النساء هل دخلن في شرط الدخول أم لا .

23941 - فقالت طائفة : الأم ، والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى .

23942 - وتأولوا على القرآن ما في ظاهره ، فقالوا : المعنى أمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن .

23943 - وزعموا أن قوله عز وجل : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن راجع إلى الأمهات ، والربائب .

23944 - وإلى هذا كان ابن مسعود يذهب فيما أفتى به في الكوفة ، ثم لما دخل المدينة نبه على غفلته في ذلك ، فرجع عنه ، وقيل : إن عمر رده عن ذلك .

[ ص: 182 ] 23945 - ذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي فروة ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن ابن مسعود أن رجلا من بني شمخ بن فزارة تزوج امرأة ، ثم رأى أمها ، فأعجبته ، فاستفتى ابن مسعود ، فأمره أن يفارقها ، ويتزوج أمها ، إن كان لم يمسها ، فتزوجها ، وولدت له أولادا ، ثم أتى ابن مسعود المدينة ، فسأل عن ذلك ، فأخبر أنها لا تحل له ، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل : إنها عليك حرام ، ففارقها .

23946 - وأخبرني معمر ، عن يزيد بن أبي زياد : أن عمر بن الخطاب - فيما أحسب - هو الذي رد ابن مسعود عن قوله ذلك .

23947 - قال أبو عمر : هذا القول الذي كان ابن مسعود أفتى به ، ثم رجع عنه يروى عن علي بن أبي طالب .

23948 - واختلف فيه عن ابن عباس ، وجابر بن عبد الله الأنصاري .

23949 - ولم يختلف عن ابن الزبير ، وعن مجاهد فيها .

23950 - روى سماك بن الفضل أن ابن الزبير قال : الربيبة والأم سواء ، لا بأس بهما إذا لم يدخل بالمرأة .

[ ص: 183 ] 23951 - وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج وذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثني ابن علية ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عكرمة بن خالد ، عن مجاهد أنه قال : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن .

23952 - فقال : أريد بهما جميعا الدخول .

23953 - قال ابن جريج : وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في الرجل ينكح المرأة ، ثم تموت قبل أن يمسها ، أنه ينكح أمها ، إن شاء .

23954 - قال ابن جريج : وأخبرني أبو بكر بن حفص ، عن مسلم بن عويمر بن الأجدع ، عن أبيه ، عن ابن عباس مثله .

23955 - وذكر أبو بكر ، قال : حدثني ابن علية ، عن ابن أبي عروبة ، عن [ ص: 184 ] قتادة في الرجل يتزوج المرأة ، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ، أيتزوج أمها ؟ قال : قال علي : هي بمنزلة الربيبة .

23956 - وروى حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن خلاس أن عليا - رضي الله عنه - سئل عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها ، أله أن يتزوج أمها ؟ قال علي : هما بمنزلة واحدة يجريان مجرى واحدا إن طلق الابنة قبل أن يدخل بها تزوج أمها ، وإن تزوج أمها ثم طلقها قبل أن يدخل بها تزوج ابنتها .

23957 - قال أبو عمر : لا أعلم أحدا ، قال بهذا من فقهاء الأمصار ، أهل الرأي والحديث الذين تدور عليهم وعلى أصحابهم الفتوى .

23958 - والحديث فيه عن علي - رضي الله عنه - ضعيف لا يصح ; لأن خلاسا يروي عن علي مناكير ، ولا يصحح روايته أهل العلم [ ص: 185 ] بالحديث .

23959 - ومرسل قتادة عنه أضعف .

[ ص: 186 ] 23960 - وجابر بن عبد الله ، وابن عباس مختلف عنهما في ذلك ، فلا يصح فيه عن من لم يختلف عليه إلا ابن الزبير ، ومجاهد ، وفرقة قالت بذلك ، ليس لها حجة .

23961 - ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وأمهات نسائكم [ النساء : 23 ] . قال : هي مبهمة ، فهذا خلاف ما تقدم عنه .

23962 - وقد قال ابن جريج : قلت لعطاء : أكان ابن عباس يقرأ : " وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن " فلم يعرف ذلك .

23963 - قال ابن جريج : قلت لعطاء : الرجل ينكح المرأة ، ثم لا يراها ، ولا يجامعها أتحل له أمها ؟ قال : لا هي مرسلة .

23964 - وروى هشيم ، ويزيد بن هارون قالا : أخبرنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه سئل عن قوله عز وجل : وأمهات نسائكم [ النساء : 23 ] قال : هي مبهمة ، فأرسلوا ما أرسل الله وما بين فاتبعوه ، فكان يكره الأم على كل حال ، ويرخص في الربيبة إذا لم يدخل بأمها ، ويقول : أرسل [ ص: 187 ] الله هذه ، وبين هذه .

23965 - وقال أبو بكر : حدثني علي بن مسهر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين في أمهات نسائكم ، قال : هي مبهمة .

23966 - وبه قال الحسن .

23967 - وهو قول ابن عمر ، وابن مسعود .

23968 - وبه قالت طائفة من التابعين : منهم طاوس ، وابن شهاب الزهري .

23969 - وإليه ذهب مالك ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهم ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري .

23970 - وقد روى المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أيما رجل نكح امرأة ، فدخل بها ، أو لم يدخل بها ، فلا تحل له أمها " .

[ ص: 188 ] 23971 - وأما زيد بن ثابت ، فروى قتادة عن سعيد بن المسيب عنه خلاف ما ذكره مالك ، عن يحيى بن سعيد عنه .

23972 - روى سعيد بن أبي عروبة ، وحماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن زيد أنه كان يقول : إن طلق الابنة طلاقا قبل أن يدخل بها تزوج أمها - إن شاء - وإن ماتت ، فأصاب ميراثها ، فليس له أن يتزوج أمها .

23973 - وقول زيد بن ثابت هذا قول ثالث .

23974 - ويحتمل أن يكون ما ذكرناه عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر مثل قول زيد بن ثابت ; لأنه ذكر الموت فيه ، ولم يذكر الطلاق ، وهو عندي قول لا حظ له من النظر ; لأن إصابته الميراث ليس بدخول ، ولا مسيس ، والله عز وجل قد شرط الدخول ، وبالله التوفيق .

23975 - وأجمع العلماء على أن من وطئ امرأته ، فقد حرمت عليه ابنتها وأمها ، وأنه استوفى معنى قول الله تعالى : اللاتي دخلتم بهن [ النساء : 23 ] .

23976 - واختلفوا فيما دون الوطء مثل اللمس ، والتجريد ، والنظر إلى الفرج ; لشهوة أو غير شهوة ، هل ذلك كالوطء الذي هو الدخول المجتمع عليه أم لا ؟ .

[ ص: 189 ] 23977 - فقال مالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، والليث ، والشافعي : إذا لمسها بشهوة حرمت عليه أمها ، وابنتها .

23978 - واختلفوا في النظر إلى فرجها ، وإلى محاسنها ; لشهوة ، هل يحرم ذلك الابنة والأم أم لا ؟ 23979 - وسنذكر ذلك في باب النهي عن أن يصيب الرجل أمة كانت لأبيه ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية