الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1174 1125 - مالك ، عن نافع ; أن عبد الله بن عمر كان يقول في الخلية والبرية : إنها ثلاث تطليقات ، كل واحدة منهما .

1126 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ; أن رجلا كانت تحته وليدة لقوم ، فقال لأهلها : شأنكم بها ، فرأى الناس أنها تطليقة واحدة .

1127 - مالك ; أنه سمع ابن شهاب يقول ، في الرجل يقول لامرأته : برئت مني ، وبرئت منك : إنها ثلاث تطليقات بمنزلة " البتة " .

25219 - قال مالك ، في الرجل يقول لامرأته : أنت خلية أو برية أو بائنة : إنها ثلاث تطليقات للمرأة التي قد دخل بها ، ويدين في التي لم يدخل بها . أواحدة [ ص: 49 ] أراد أم ثلاثا ؛ فإن قال واحدة ، أحلف على ذلك . وكان خاطبا من الخطاب ; لأنه لا يخلي المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات ، والتي لم يدخل بها ، تخليها وتبريها وتبينها الواحدة .

قال مالك : وهذا أحسن ما سمعت في ذلك .


25220 - قال أبو عمر : قول الليث بن سعد في ذلك سواء في المدخول بها ، وغير المدخول .

25221 - وقال ابن أبي ليلى في حرام ، وخلية ، وبرية ، وبينونته كلها ثلاث ثلاث ، ولا ينوي في شيء منها .

25222 - وقال الأوزاعي : أما البائنة والبرية ، فثلاث ، وأما الخلية ، فسمعت الزهري يقول : واحدة ، أو ما نوى .

25223 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري في خلية ، وبرية ، وبائن : إن أراد طلاقا ، فواحدة بائن ، إلا أن ينوي ثلاثا ، وإن نوى واحدة أو اثنتين ، فهي واحدة بائنة .

25224 - وقال زفر : إن أراد اثنتين كانت اثنتين .

25225 - وقال عثمان البتي نحو قول الثوري . 25226 - وقال الشافعي في الخلية ، والبرية ، والبائن ، والبتة : هو ما نوى ، [ ص: 50 ] فإن نوى أقل وثلاثا كان رجعيا .

25227 - قال : ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية .

25228 - قال أبو عمر : روي عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر وابن عباس ، وزيد بن ثابت - رضي الله عنه - في الخلية والبرية ، والبائن ، والبتة أنها ثلاث .

25229 - روي ذلك عنهم من وجوه في كتاب ابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق وغيرهما .

25230 - وهو قول مكحول .

25231 - وقاله ابن شهاب في البرية ، والبائن .

25232 - وقوله : برئت مني ، وبرئت منك هو من البرية .

25233 - وكان بعض أصحاب مالك يرى المبارأة من البرية ، ويجعلها ثلاثا .

25234 - وتحصيل مذهب مالك عند جمهور أصحابه أن المبارأة من باب الصلح والفدية ، والخلع ، وذلك كله واحدة عندهم بائنة .

[ ص: 51 ] 25253 - وأما قول القاسم بن محمد في قول الرجل لأهل امرأته : شأنكم بها ، أن الناس رأوها تطليقة واحدة .

25236 - وروي عن مالك مثل ذلك ، إلا أن ينوي ثلاثا .

25237 - وروي عنه أنها ثلاث إلا أن ينوي واحدة .

25238 - وقال عيسى ، عن ابن القاسم ، عن مالك : هي ثلاث في المدخول بها ، وواحدة في التي لم يدخل بها ، ولا ينوي في شيء من ذلك .

25239 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي : إن أراد بذلك الطلاق ، فهو ما أراد من الطلاق ، وإن أراد أقل من ثلاث ، فهي رجعي عند الشافعي ، وعند الكوفيين بائن ، وإن لم يرد طلاقا ، فليس بطلاق .

25240 - قال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوجها ، فقالت : أعوذ بالله منك : قد عذت بمعاذ ، الحقي بأهلك ، فكان ذلك طلاقا .

25241 - وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقي بأهلك ، فلم يكن ذلك طلاقا ، فدل بما وصفنا من هذين الخبرين على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية ، وإنما لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها ، فكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق ، وغيره ، والله أعلم .

25242 - ومن الكنايات بعدما تقدم قول الرجل لامرأته : اعتدي وأنت حرة ، [ ص: 52 ] أو اذهبي ، فانكحي من شئت ، أو لست لي بامرأة ، أو قد وهبتك لأهلك ، أو خليت سبيلك ، أو الحقي بأهلك ، وما كان مثل هذا كله من الألفاظ المحتملة للطلاق .

25243 - وقد اختلف السلف والخلف فيها ، فواجب أن يسأل عنها قائلها ، ويلزم من ذلك ما نواه ، وأراده إن قصده .

25244 - وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ، ولا يكنى بها عن الفراق : فأكثر العلماء لا يوقعون شيئا منها طلاقا ، وإن قصده القائل .

25245 - وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظة كان لزمه الطلاق حتى بقوله : كلي ، واشربي ، وقومي ، واقعدي ، ونحو هذا ، ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه .

25246 - والأصل أن العصمة المتيقنة لا تزول إلا بيقين من نية ، وقصد ، وإجماع على مراد الله من ذلك .

25247 - وهذا عندي وجه الاحتياط للمفتي ، وبالله التوفيق .

25248 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنية ، إنما لامرئ ما نوى .

[ ص: 53 ] [ ص: 54 ] 25249 - والذي أقول به في الذي يهب امرأته لأهلها أنه قد كثر الاختلاف بين الصحابة ، ومن بعدهم فيها .

[ ص: 55 ] 25250 - والصواب عندي فيها - والله أعلم - أنه أراد بذلك طلاقا ، فهو ما نوى من الطلاق قبلوها ، أو ردوها ، وإن لم يرد طلاقا ، فليس بشيء ، قبلوها ، أو ردوها ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية