الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1218 1174 - مالك ، عن نافع ; أن عبد الله بن عمر كان يقول : من أذن لعبده أن ينكح ، فالطلاق بيد العبد ، ليس بيد غيره من طلاقه شيء ، فأما أن يأخذ الرجل أمة غلامه ، أو أمة وليدته ، فلا جناح عليه .


26443 - قال أبو عمر : أما قول ابن عمر : فالطلاق بيد العبد ، فعلى هذا جمهور العلماء .

26444 - ولم يختلف في ذلك أئمة الأمصار ، كلهم يقول : الطلاق بيد العبد ، لا بيد السيد ، وكلهم لا يجيز النكاح للعبد إلا بإذن سيده .

26445 - وشذت طائفة ، فقالت : الطلاق بيد السيد .

26446 - وأعلى من روي ذلك عنه عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله .

26447 - ذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : أن ابن عباس كان [ ص: 293 ] يقول : طلاق العبد بيد سيده إن طلق جاز ، وإن فرق فهي واحدة .

26448 - وعن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - أيضا - معناه . 26449 - وعن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير ، سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد : سيدهما يجمع بينهما ويفرق .

26450 - وابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء أنه قال : لا طلاق لعبد إلا بإذن سيده .

26451 - فهؤلاء قالوا : بأن الطلاق بيد السيد .

26452 - وأما القائلون بأن الطلاق بيد العبد ، فهو الجمهور على ما ذكرت لك ، منهم : عمر ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمر - رضوان الله عليهم .

26453 - ومن التابعين : سعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والحسن ، وابن سيرين ، ومكحول ، وابن شهاب الزهري ، والضحاك بن مزاحم ، وعليه جماعة فقهاء الحجاز ، والعراق ; أئمة الأمصار .

[ ص: 294 ] 26454 - وكان عروة بن الزبير يذهب في هذا الباب مذهبا خلاف ابن عباس في بعض هذا المعنى ، وخلاف هذا الجمهور في بعضه أيضا .

26455 - ذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني هشام بن عروة ، قال : سألنا عروة عن رجل أنكح عبده امرأة ، هل يصلح له أن ينتزعها منه بغير طيب نفسه ؟ فقال : لا ، ولكن إذا ابتاعه ، وقد أنكحه غيره ، فهو أملك بذلك : إن شاء فرقهما ، وإن شاء تركهما .

26456 - وقال أبو عمر : جعل عروة الفراق إلى السيد المبتاع ، ومنع منه البائع .

26457 - والمعنى في ذلك أن السيد المبتاع لما لم يكن هو الذي أذن في النكاح للعبد كان عنده كسيده نكح عبده بغير إذنه ، فله الخيار في أن يجيز النكاح أو يفرق بينهما .

26458 - وهذا عندي ; لأن المبتاع إنما يملك من العبد ما كان البائع يملك منه ويتصرف فيما كان البائع يتصرف فيه من ذلك العبد ، فلما لم يكن للبائع أن يفرق بينهما بإذنه في النكاح كان كذلك المبتاع إذا دخل على ذلك .

26459 - وإنما هو عيب من العيوب إذا رضي به المبتاع عند عقد البيع أو بعده لزمه ، وإن لم يعلم به ثم علم كان له الرد أو الرضا بالعيب .

26460 - وأما قول ابن عمر : وأما أن يأخذ الرجل أمة غلامه ، أو أمة وليدته ، [ ص: 295 ] فلا جناح عليه ، فالمعنى في ذلك عند مالك أن السيد له أن يأخذ ما بيد عبده من جميع ماله ما لم يأذن له في تجارة مداينة الناس على ما بيده من ذلك المال .

26461 - والعبد عنده يملك كلما ملكه سيده أو غيره ، ولسيده أن ينتزع منه ماله كله أو ما شاء منه ، وملكه عبده ليس كملكك الحر الذي لا يحل لأحد منه شيء إلا عن طيب نفسه ، وإنما مال العبد مال مستقر بيده ، ما لم ينتزعه منه سيده ، وله أن يتسرى فيه عند مالك ، وأصحابه ، ومن قال بقولهم ; لأنه لا خلاف عن ابن عمر أنه كان يأذن لعبيده أن يتسروا فيما بأيديهم من المال .

26462 - وهو قول أكثر أهل السلف .

26463 - وكان مالك لا يرى الزكاة على العبد مما بيده من المال ، ولا على السيد في ذلك المال - قياسا على أن المكاتب الذي أجمعوا على أنه لا زكاة عليه ، ولا على سيده فيما بيده من المال .

26464 - وكان أبو ثور ، وداود يقولان : العبد يملك ملكا صحيحا كملك الحر ، وعليه الزكاة فيما بيده من المال إذا حال عليه ، وهو في يده حول كامل ، وهما مع ذلك يجيزان للسيد انتزاع ذلك المال منه إذا شاء .

26465 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم : العبد لا يملك شيئا بحال [ ص: 296 ] من الأحوال ، وكل ما بيده من مال ، فإنما هو لسيده بدليل الإجماع على أن لسيده أن يأخذ منه كل ما له من المال من كسبه وغير كسبه .

26466 - وقالوا : لو كان يملك لورث بنيه ، وقرابته ، وورثته بنوه وقرابته ، ولهم في ذلك حجج ، يطول ذكرها ، ولمخالفيهم أيضا حجج يحتجون بها ، ليس كتابنا هذا موضعا لذكرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية