الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1304 1265 - مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي .

فقيل له : يا رسول الله ، وما تزهي ؟ فقال : " حين تحمر " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيت إذا منع الله [ ص: 90 ] الثمرة ، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ "
.

1266 - مالك ، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة ، [ ص: 91 ] عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة .

28305 - قال مالك : وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرر .

1267 - مالك ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن زيد بن ثابت ; أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا .


28306 - قال أبو عمر : في نهي رسول الله عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها دليل واضح على أنه إذا بدا صلاحها جاز بيعها في رءوس الأشجار ، وإن لم تصرم ، وعلى ذلك جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار ، إلا شيئا روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وعكرمة مولى ابن عباس ، فإنهما قالا : لا يجوز بيع الثمرة في رءوس النخل قبل أن تصرم .

[ ص: 92 ] 28307 - حدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثني قاسم بن محمد بن شعبان ، قال : حدثني أبو شيبة ; داود بن إبراهيم ، قال : حدثني إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : حدثني عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في الرجل يبيع الثمر على رءوس النخل قبل أن يصرمه أنه كرهه .

28308 - قال يحيى : وكرهه عكرمة .

28309 - ورخص فيه سليمان بن يسار .

28310 - وقال ابن المبارك ، وحدثني خالد ، عن عكرمة مثله يعني مثل قول أبي سلمة .

28311 - قال : وحدثني هشام بن حسان ، عن ابن سيرين أنه لم ير به بأسا .

28312 - قال أبو عمر : معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في هذا الباب حتى يبدو صلاحها ، يريد حتى تحمر ، أو تصفر .

28313 - وكذلك جعل مالك حديث أنس في هذا الباب بعد حديث ابن عمر مفسرا له ، والله أعلم .

28314 - وذلك أيضا موجود في حديث جابر وغيره .

28315 - حدثني عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي ، قال : حدثني يحيى بن [ ص: 93 ] سعيد ، عن سليم بن حيان ، عن سعيد بن ميناء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح ، أو تصفر ، ويؤكل منها .

28316 - وهذا معنى قوله : حتى تزهي وحتى تزهو ، يقال منه : زهت النخلة ، وأزهت إذا طاب ثمرها .

28317 - فلا يجوز بيع ثمر النخل حتى تزهي ، بصفرة ، أو حمرة .

28318 - ولا بأس أن يباع الحائط كله ، إذا زهت منه النخلة الواحدة ، وكان الطيب متتابعا .

28319 - وأما سائر الثمار من التين ، والعنب ، والفواكه كلها ، فلا يباع صنف منها حتى يطيب أوله ، ويؤكل منه .

[ ص: 94 ] 28320 - وإذا كان العنب أسود ، فجني ، فبدا فيه السواد ، وظهر ، وإن كان أبيض ، فحتى يتمزج ، ويصلح للأكل .

28321 - ولا يجوز بيع الزيتون في الشجر بطيب البكور منه حتى يطيب أول زيتون العصير ، ويكون طيبه متتابعا .

28322 - وإن كان في الحائط أنواع من الثمار ، فلا يباع صنف منها بطيب غيره ، حتى يطيب من كل صنف أوله ، فيباع ذلك الصنف بطيب أوله .

28323 - وهذا كله قول مالك ، وأصحابه ، وهو تحصيل مذهبه .

28324 - وأجازوا بيع الثمار قبل بدو صلاحها على شرط القطع لها مكانها ، كالفصيل والبقل والبلح ، والبسر ، وسنبين أقوال العلماء في هذا المعنى بعد - إن شاء الله تعالى .

28325 - وأما حديث عمرة في هذا الباب : لا تباع الثمار حتى تنجو من العاهة ، فالمعنى : حتى تنجو من الجائحة ، وهذا في الأغلب .

28326 - وتفسير ذلك حديث زيد بن ثابت أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع [ ص: 95 ] الثريا لأن طلوع الثريا صباحا إنما يكون في زمان طيب ثمار النخيل ، وبعد الآفة ، والعاهة عليها في الأغلب من أمرها .

28327 - وروى ابن أبي ذئب ، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة .

قال عثمان : فسألت عبد الله بن عمر ، متى ذلك ؟ فقال : طلوع الثريا .

28328 - وقد روى عسل بن سفيان ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد " .

28329 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في " التمهيد " .

28330 - قال أبو عمر : طلوع الثريا صباحا عند أهل العلم ، فربما يكون [ ص: 96 ] لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر " أيار " ، وهو " ماي " ، والنجم : الثريا . لا خلاف في ذلك .

28331 - وقوله : للبلد يجوز أنه يريد البلاد التي فيها النخل ، ويجوز أن يريد الحجاز خاصة .

28332 - وقد اختلف السلف ، والخلف من العلماء في القول بالأحاديث المذكورة في أول هذا الباب ، وفي استعمالها على ظاهرها : 28333 - فروي عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يبيعان ثمارهما قبل بدو صلاحها ، وأنهما كان يبيعان ثمارهما العام ، والعامين ، والأعوام .

28334 - رواه سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي سمعه يقول ; وليت صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت محمود بن لبيد ، فسألته ؟ فقال : قد كان عمر بن الخطاب ولي يتيما ، فكان يبيع ماله سنين .

28335 - وسفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب باع مال أسيد بن حضير ثلاث سنين .

28336 - وسفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ، قال : نهيت ابن الزبير عن بيع النخل معاومة ، يعني سنتين ، وثلاثا ، [ ص: 97 ] وأكثر .

28337 - وما روي عن عمر ، وابن الزبير فلا يعلم أحد من العلماء تابعهم على ذلك .

28338 - وإذا كان نهيه - عليه السلام - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، يمنع من بيعها قبل بدو صلاحها ، وبعد خلقها ، فما ظنك ببيع ما لم يخلق منها .

28339 - وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السنبل .

28340 - ونهى عن بيع المعاومة .

28341 - وعن بيع ما لم يخلق منها .

[ ص: 98 ] 28342 - وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السنين .

28343 - ويحتمل أن يكون بيع عمر ، وابن الزبير للثمار سنين - إن صح ذلك عنهما - أن ذلك على أن كل سنة منه على حدتها فيكون - حينئذ - كمذهب الكوفيين ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .

28344 - ويحتمل أن يكون ذهبا إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها كان على ما ذكره زيد بن ثابت في حديث أبي الزناد ، وسنذكر ذلك في هذا الباب بعون الله عز وجل .

28345 - وروى سفيان بن عيينة ، عن حميد بن قيس ، عن سليمان بن عتيق ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين .

[ ص: 99 ] 28346 - وروى حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، وسعيد بن ميناء ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة .

وقال أيوب : وقال أحدهما : عن بيع السنين .

28347 - قال أبو عمر : هذا في بيع الأعيان ، وأما السلم الثابت في الذمة بالصفة المعلومة ، فجائز عاما ، وأعواما ; لحديث ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وهم يسلفون في السنتين ، والثلاث ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سلف فليسلف في كيل معلوم ، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " .

28348 - وقد ذكرنا أحاديث هذا الباب بالأسانيد المتصلة كلها في [ ص: 100 ] " التمهيد " ، والحمد لله .

28349 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني بكر بن حماد ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني حفص بن غياث ، عن أبي العوام البصري ، عن عطاء ، قال : كان ابن عباس يبيع من غلمانه النخل السنة ، والسنتين ، والثلاث ، فبعث إليه جابر : أفعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل سنين ؟ قال : بلى ولكن أما علمت أنه ليس بين العبد وبين سيده ربا .

28350 - واختلف العلماء في معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها : 28351 - فقالت طائفة : ذلك على الندب والاستحسان ، ليس بنهي وجوب وتحريم ، فأجازوا بيعها إذا خلقت ، وظهرت وإن لم يبد صلاحها .

28352 - وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : " من باع نخلا قد أبرت ، فثمرتها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع " .

قالوا : فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراط الثمرة بعد الأبار ، وقد أخبر أنها للبائع علمنا أنها لم تدخل في صفقة بيع أصولها ، فلم يجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعا [ ص: 101 ] لها ، فيدخلها في الصفقة بغير شرط ، ولكنه أخبر أنها في حين تباع الأصول للبائع ، وأجاز المشتري اشتراطها في صفقة ، وما لم يدخل في الصفقة إلا بالاشتراط جاز بيعه منفردا ، فدل ذلك على جواز بيع الثمرة بعد الأبار قبل بدو صلاحها ، ودل ذلك على أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ما لم يكن منه صلى الله عليه وسلم على الإيجاب ، والتحريم .

28353 - وذكروا ما حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني أحمد بن صالح ، قال : حدثني عنبسة بن خالد ، قال : حدثني يونس بن يزيد ، قال سألت أبا الزناد عن بيع الثمار قبل بدو صلاحه ، وما ذكر من ذلك ؟ فقال : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن خيثمة ، عن زيد بن ثابت ، قال : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون قبل أن يبدو صلاحها ، فإذا جد الناس ، وحضر قاضيهم ، قال المبتاع : قد أصاب الثمرة الدمان وأصابه قشام ، ومراض ، عاهات يحتجون بها ، فلما كثرت خصومتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم قال كالمشورة يشير بها عليهم " أما لا ، فلا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه " ; لكثرة خصومتهم ، واختلافهم .

28354 - قالوا : فهذا يدل على أن نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، ليس على الوجوب .

[ ص: 102 ] 28355 - قال أبو عمر : هذا الحديث لا يجيء إلا من هذا الوجه ، وظاهره الانقطاع ، لم يسمعه أبو الزناد ، عن عروة ، وهو معروف عن غيره .

28356 - وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ، وجابر ، وأنس ، وأبي هريرة ، وغيرهم أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، فوجب القول بذلك .

28357 - قال الله عز وجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر : 7 28358 - وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، قال : سمعت ابن عباس يقول : لا يباع الثمر حتى يطعم .

28359 - وجملة قول أبي حنيفة ، وأصحابه في هذا الباب أنه جائز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إذا ظهرت في النخل ، والشجر ، واستبانت ، سواء أبر النخل قبل ذلك ، أو لم يؤبر ، وعلى المشتري عندهم أن يجذها ، ويقطعها ، ولا يتركها على أصول البائع ، وسواء اشترط عليه قطعها ، أو لم يشترط ما لم يشترط تركها إلى جذاذها ، فإن ابتاعها قبل بدو صلاحها ، أو بعده ، واشترط تركها إلى الجذاذ ، فإن أبا حنيفة ، وأبا يوسف قالا : البيع على ذلك فاسد .

[ ص: 103 ] 28360 - وقال محمد بن الحسن : إن كان صلاحها لم يبد ، فالبيع فاسد ، وإن كان قد بدا صلاحها ، واحمرت ، أو اصفرت ، وتناهى عظمها ، فالبيع جائز ، والشرط جائز .

28361 - وقال مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : لا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها .

28362 - وقال مالك ، والشافعي ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق : لا يجوز إن باع الثمرة على القطع قبل بدو صلاحها جاز .

28363 - وكذلك الفصيل ، والفواكه كلها جائز عندهم بيعها قبل بدو صلاحها على أن يقطع مكانها ، فإن لم يشترط القطع مكانها ، فسد البيع .

28364 - فإن علم بذلك فسخ ، وأخذ صاحب الثمرة ثمرتها ، فإن كان قد جذها ردها إلى البائع ، وإن فاتت في يده غرم مكيلتها ، وإن أخذها رطبا غرم قيمتها .

28365 - وأبو حنيفة ، وأصحابه يجيزون بيعها قبل بدو صلاحها ، وإن لم يشترط القطع ما لم يشترط الترك لها إلى الجذاذ ، ويؤخر لقطعها على كل حال ، فإن [ ص: 104 ] اشترط الترك فسد البيع عندهم على ما ذكرنا عنهم قبل بدو صلاحها كان البيع عندهم أو بعد بدو صلاحها .

28366 - وعند مالك ، والشافعي ، وأصحابهما والليث : من اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها : فسواء شرط تبقيتها ، أو تركها إلى الجذاذ ، أو لم يشترط ، البيع صحيح .

28367 - قال مالك : وعلى البائع سقي الثمر حتى يتم جذاذه وقطافه .

28368 - وقد روي عن الثوري ، وابن أبي ليلى أنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها على كل حال من الأحوال ، اشترط قطعها ، أو لم يشترط ، والأول أشهر عنهما : أنه جائز بيعها على القطع قبل بدو صلاحها كالفصيل .

28369 - وقال مالك فيما روى ابن القاسم عنه : لا بأس أن يباع الحائط ، وإن لم يزه إذا أزهى ما حوله من الحيطان ، وكان الزمان قد أمنت فيه العاهة .

28370 - قال ابن القاسم : أحب إلي ألا يبيعه حتى يزهي ; لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ولا أراه حراما .

28371 - قال أبو عمر : قول مالك صحيح على ما ذكرنا في أول هذا الباب من ذهاب العاهة بأول طلوع الثريا ، على ما في حديث زيد بن ثابت ، وليس فيه أنه أزهى حائطه .

[ ص: 105 ] 28372 - قال مالك : وإذا كان في الحائط أنواع من الثمار ، كالتين والعنب والرمان ، فطاب أول جنس منها ، تبع ذلك وجذه ، ولم يبع منه غيره ، ما لم يطب شيء منه .

28373 - وهو قول الشافعي .

28374 - وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس : " أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه " ، فقد تنازع العلماء في وضع الجائحة عن المشتري إذا أصابت الثمر جائحة ، وقد كان اشتراها ، بعد بدو صلاحها .

28375 - فمن ذهب إلى القضاء بوضعها ، احتج بحديث أنس هذا .

28376 - ومثله حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ " .

28377 - وسنذكر القائلين بذلك ، واختلافهم فيه بعد هذا - إن شاء الله تعالى .

28378 - وقال آخرون : إنما معنى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ; أن بيعها قبل بدو صلاحها من بيع الغرر : [ ص: 106 ] 28379 - قال مالك - رحمه الله - : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيع الثمار بعد بدو صلاحها علمنا أن ذلك قد خرج من بيع الغرر في الأغلب بقوله مع نهيه عن بيعها قبل بدو صلاحها ، أرأيت إن منع الله الثمرة ، معناه : إذا بعتم الثمرة قبل بدو صلاحها ، ومنعها الله كنتم قد ركبتم الغرر ، وأخذتم مال المبتاع بالباطل ، فلا تبيعوها ، حتى يبدو صلاحها ، فإنكم إذا فعلتم ذلك سلمتم من الغرر ; لأن الأغلب - حينئذ - من أمرها السلامة ، فإن لحقتها جائحه ، فهي نادرة ، لا حكم لها ، وكانت كالدار تباع فتهدم ، قبل انتفاع المشتري بشيء منها ، وكذلك الحيوان يموت بإثر قبض المبتاع له ، وكذلك سائر العروض تهلك قبل أن ينتفع المبتاع بها .

28380 - قالوا : كل من ابتاع ثمرة من نخل أو زرع ، أو سائر الفواكه في حال يجوز بيعها فيه ، فقبض ذلك بما يقبض به مثله ، فأصابتها جائحة ، فأهلكته كله أو بعضه ثلاثا كان أو أقل ، أو أكثر ، فالمصيبة في ذلك كله من المبتاع .

28381 - وقد كان الشافعي يقول بالعراق بوضع الجوائح ، ثم رجع بمصر إلى هذا القول ، وهو أشهر قوليه عند أصحابه .

28382 - وضعف حديث سليمان بن عتيق ، عن جابر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين " ، وأمر بوضع الجوائح ، وقال : كان ابن عيينة يحدثنا به ، عن [ ص: 107 ] حميد بن قيس ، عن سليمان بن عتيق ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع السنين ، ولا يذكر فيه : " وضع الجوائح " ، ثم ذكرها فيما بعد ، فذكرنا ذلك له ، فقال : هو فيه أي : هذا اللفظ فيه يعني قوله ; وأمر بوضع الجوائح ، واضطرب ، ولم يثبت فيه شيء في وضع الجوائح .

28383 - وقال الشافعي : لو ثبت حديث سليمان بن عتيق لم أعده .

28384 - قال : ولو كنت قائلا بوضع الجوائح ، لوضعتها في القليل والكثير .

28385 - وممن لم يقل بوضع الجائحة في قليل ، ولا كثير مع الشافعي ، وأصحابه ، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد .

28386 - ويأتي تلخيص مذهب مالك ، وأصحابه في جوائح الثمار في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية