الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1316 1277 - مالك ، عن عبد الله بن يزيد ; أن زيدا أبا عياش ، أخبره ، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت ؟ فقال له سعد : أيتهما أفضل ؟ قال : البيضاء . فنهاه عن ذلك . وقال سعد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم . فنهى عن ذلك .


[ ص: 148 ] 28522 - قال يحيى : قال مالك : كل رطب بيابس من نوعه حرام .

28523 - قال أبو عمر : قول يحيى هذا عن مالك لم يروه أحد في " الموطأ " غيره فيما علمت ، ومعناه صحيح في مذهبه ، وهكذا هذا الحديث في أكثر روايات " الموطأ " .

28524 - مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، لم ينسبه ، فظن قوم أنه عبد الله بن يزيد بن هرمز الفارسي الفقيه ، وليس كذلك : وإنما هو عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، كذلك في رواية أبي مصعب ، والشافعي ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وغيرهم .

28525 - ولم يذكر مالك في " موطئه " عن عبد الله بن يزيد بن هرمز حديثا ، ولا مسألة ، يقولون : إنه حرج على مالك ، وغيره أن يحدثوا بشيء من رواية عنه ، أو من حديثه ، وغيره .

[ ص: 149 ] 28526 - وأما زيد أبو عياش ، فقيل : إنه مجهول ، لم يرو عنه أحد غير عبد الله بن يزيد ، وقد قيل : روى عنه أيضا عمران بن أبي أنس .

28527 - وقد قيل : إن زيدا أبا عياش هذا هو أبو عياش الزرقي ، وأبو عياش الزرقي اسمه عند طائفة من أهل العلم بالحديث زيد بن الصامت .

28528 - وقد اختلف في اسمه على ما ذكرنا في كتاب " الصحابة " ، وهو من صغار الصحابة ، وممن حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه ، وشهد معه بعض مشاهده .

28529 - حدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني الخشني ، قال : حدثني ابن أبي عمر ، قال حدثني سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي أمية ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش الزرقي أن رجلا سأل سعدا عن السلت بالشعير ؟ فقال : تبايع رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر ورطب ، فقال رسول [ ص: 150 ] الله صلى الله عليه وسلم : " هل ينقص الرطب إذا يبس ؟ " قالوا نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فلا إذن " .

28530 - ورواه الحميدي ، عن ابن عيينة بإسناده مثله ، إلا أنه لم يقل الزرقي في أبي عياش .

28531 - أخبرنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني الحميدي ، قال : حدثني سفيان بن عيينة ، قال : حدثني إسماعيل بن أمية ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش ، قال : تبايع رجلان على عهد سعد بن أبي وقاص بسلت وشعير ، فقال سعد : تبايع رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر ، ورطب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أينقص الرطب إذا يبس ؟ " قالوا : نعم ، قال : فلا إذن " .

28532 - فقد بان بهذا الحديث أن البيضاء هي الشعير ، وهو معروف من مذهب سعد أن الحنطة ، والشعير ، والسلت عنده صنف واحد ، وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه في ذلك .

28533 - ولا خلاف علمته في أن البيضاء المذكورة في هذا الحديث هي الشعير إلا ما ذكره وكيع فإنه وهم في هذا الحديث على مالك : فقال فيه عنه : لم يتابع عليه ذكره أبو بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد أبي عياش ، قال : سألت سعدا عن السلت بالذرة ، [ ص: 151 ] فكرهه فقال سعد : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر ، فذكر الحديث ، ووهم فيه وكيع إذ جعل الذرة موضع البيضاء .

28534 - والبيضاء عند العرب الشعير ، والسمراء عندهم البر ، والذرة عند العلماء صنف منفرد .

28535 - وسنذكر أصناف الطعام ، وأجناسه في باب بيع الطعام بالطعام ، ونذكر اختلاف العلماء في ذلك - إن شاء الله تعالى .

28536 - وأما قوله في حديث مالك : أيتهما أفضل ، فإنه أراد : أيتهما أكثر في الكيل ، والوزن .

28537 - ذكر إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثني أبو الوليد قال : حدثني ، الطيالسي ، قال : سألت مالك بن أنس ، فحدثنا عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش ، قال : سألت سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت ، فقال : بينهما فضل ؟ قلت : نعم قال : فلا إذن ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الرطب بالتمر ، فسأل من حوله عن الرطب : " أينقص إذا جف " ؟ قالوا : نعم ، قال : " فلا إذن " .

28538 - وأما بيع الرطب بالتمر ، فقد اختلف العلماء في ذلك .

28539 - فأكثرهم لا يجوز عندهم بيع الرطب بالتمر على حال من الأحوال ; لأنه من المزابنة المنهي عنها ، ومعناها كل رطب بيابس من جنسه .

28540 - حدثني سعيد ، وعبد الوارث ، قالا : حدثني قاسم ، قال حدثني [ ص: 152 ] محمد ، وعبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قالا : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قالا : حدثني ابن أبي زائدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر كيلا ، وعن بيع العنب بالزبيب كيلا ، وعن بيع الحنطة بالزرع كيلا .

28541 - وبهذا قال جمهور العلماء ، فلا يجوز عندهم بيع الرطب بالتمر ، لا متفاضلا ولا متماثلا

28542 - وممن قال ذلك : مالك ، والشافعي وأصحابهما ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق .

28543 - وقال أبو حنيفة : لا بأس ببيع الرطب بالتمر مثلا بمثل ، ولا يجوز متفاضلا .

28544 - واختاره الطحاوي دون قول أبي يوسف ، ومحمد ، وقال : الرطب بتمر وكذلك الحنطة الرطبة باليابسة عند أبي حنيفة .

28545 - قال أبو عمر : قياس قول أبي حنيفة أن بيع التين الأخضر باليابس جائز متماثلا ، وكذلك العنب بالزبيب مثلا بمثل ، وما كان مثل ذلك [ ص: 153 ] كله .

28546 - وهذا خلاف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدول ، فلا وجه لقوله .

28547 - وقال أبو يوسف : يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة ، فأما الرطبة من الأصل ، فلا تجوز باليابسة .

28548 - وقال سائر الفقهاء : لا يجوز مثلا بمثل ، ولا متفاضلة .

28549 - وذكر ابن المواز ، عن ابن القاسم : أنه أجاز العجين بالعجين مثلا بمثل ، ورواه عن مالك .

28550 - ورواه أشهب في العتبية ، عن عيسى ، عن ابن القاسم أنه قال في الدقيق بالعجين ; لا يجوز مثلا بمثل ، ولا متفاضلا ، ولا عن التحري ، قال : ثم رجع فقال : إن تحرى فلا بأس به .

28551 - وذكر ابن المواز في اللحم الطري باليابس أنه لا يجوز متفاضلا ، ولا مثلا بمثل ، ولا على التحري ، ورواه عن مالك .

28552 - وبه قال أصبغ .

28553 - وقال ابن وهب : لا بأس به ، ورواه عن مالك .

28554 - وبه قال أبو زيد بن أبي الغمر .

28555 - قال أبو عمر : لا يجوز العجين بالعجين ، ولا الدقيق بالدقيق ، ولا [ ص: 154 ] اللحم الطري باليابس ، لا مثلا بمثل ، ولا متفاضلا ، استدلالا بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر ; لأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " أينقص الرطب إذا يبس " ؟ .

28556 - فالتقدير للاستفهام ، يقول : أليس الرطب ينقص إذا يبس ، فكيف يباع بالتمر ؟ والمماثلة المأمور بها فيهما ، لا يوقف على حقيقتها ، والتفاضل المنهي عنه فيهما لا يؤمن .

28557 - وقد أجمعوا أن كل ما حرم فيه التفاضل لا يباع منه كيل بجزاف ، ولا معلوم بمجهول ، ولا مجهول بمجهول ، كما ذكرنا ، كذلك لا شك فيه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية