الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
28873 - قال مالك : الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، مراطلة : أنه لا بأس بذلك ، أن يأخذ أحد عشر دينارا بعشرة دنانير ، يدا بيد ، إذا كان وزن الذهبين سواء . عينا بعين وإن تفاضل العدد والدراهم أيضا في ذلك ، بمنزلة الدنانير .

28874 - قال مالك : من راطل ذهبا بذهب ، أو ورقا بورق ، فكان بين الذهبين فضل مثقال ، فأعطى صاحبه قيمته من الورق ، أو من غيرها ، فلا يأخذه ; فإن ذلك قبيح ، وذريعة إلى الربا ; لأنه إذا جاز أن يأخذ المثقال بقيمته . حتى كأنه اشتراه على حدته ، جاز له أن يأخذ المثقال بقيمته مرارا ، لأن يجيز ذلك البيع بينه وبين صاحبه .

قال مالك ولو أنه باعه ذلك المثقال مفردا ليس معه غيره ، لم يأخذه بعشر الثمن الذي أخذه به ، لأن يجوز له البيع ، فذلك الذريعة إلى إحلال الحرام ، والأمر المنهي عنه .


[ ص: 241 ] 28875 - قال أبو عمر : أما المراطلة الذي ذكر عن سعيد بن المسيب ، فلا خلاف بين علماء المسلمين فيها ، فإذا كان الذهبان متقاربين لا يدخل فيهما من غيرهما ، ولا نقصان في أحد الكفتين ، ولا زيادة يحتاج فيها إلى وزن أو غيره ; لأن السنة المجتمع عليها أن المماثلة بالذهب والورق ، والوزن ، فإن كانت المراطلة ذهبا بذهب ، فزادت إحداهما ، فأخذ صاحب الزيادة فيها ورقا ، أو كانت المرطلة ورقا بورق ، فأخذ صاحب الزيادة فيها ذهبا ، فهو موضع اختلف فيه الفقهاء : 28876 - فمذهب مالك ، وأصحابه أنه لا يجوز ذهب بفضة وذهب ، ولا ذهب وفضة بفضة على حال ، ولا يجوز عندهم أن يشتري ما زاد في المراطلة من أحد الذهبين بفضة ، ولا من أحد الفضتين بذهب ، ولا بغير ذلك ، ولا يصح عندهم مع الصرف بيع .

28877 - وهو قول الشافعي ، والليث بن سعد .

28878 - ولا يجوز عند مالك ، والليث ، والشافعي بيع فضة بنوعين من الذهب ولا بيع فضة بنوعين من الذهب ، ولا يجوز عندهم بيع ألف درهم سود بألف درهم بيض وسود ، ولو كانت بيض كلها بسود كلها جاز ; لأنه لو استحق أحد الذهبين رجع فيه إلى القيمة فيدخله التفاضل .

[ ص: 241 ] 28879 - وأجاز ذلك كله أبو حنيفة ، وأصحابه ; لأنه ذهب بذهب مثلا بمثل ، وفضة بفضة ، مثلا بمثل .

28880 - قالوا : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بالمماثلة دل على أن الاعتبار بها في الورق ، لا في القيمة .

28881 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي : غرر أن يشتري عشرة دراهم ، ودنانير باثني عشر درهما .

28882 - وروي نحوه عن الثوري .

28883 - وروي عنه أنه قال : كان ينبغي أن يحدث الفضل بقيمتها إزاءه .

28884 - وروي عن إبراهيم النخعي مثل قول أبي حنيفة ، والأوزاعي .

28885 - وإنما أجازوا ذلك ; أنهم جعلوا من الاثني عشر درهما عشرة دراهم بإزاء العشرة الدراهم ، وجعلوا الدرهمين بإزاء الدينار ، ومعلوم أن الدرهمين ليستا ثمنا للدنانير فيدخله التفاضل ، لا محالة ، والله أعلم .

[ ص: 243 ] 28886 - ومن حجتهم أن قالوا : جائز بيع دينار بدرهمين ، يدا بيد من كل مالك لنفسه ، جائز الأمر في ماله ، فإذا جعلنا ما زاد على المماثلة من الفضة مقابلا موازنا للذهب جاز ; لأنا قد بعنا العشرة دراهم بثلثها وزنا ، وإلا خرج علينا في بيع الذهب بالورق متفاضلا مثلا .

28887 - وروى عبيد الله بن موسى ، عن الثوري ، قال : أخبرني عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، قال : إذا وضعت ذهبك في كفة الميزان ، ووضع ذهبه في الكفة الأخرى ، ثم اشتريت منه كذا وكذا قيراطا بدرهم فلا بأس .

28888 - وروى عبد الرزاق ، وغيره ، عن الثوري ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد في الرجل يبيع الفضة بالفضة بينهما فضل ، قال : يأخذ فضله ذهبا .

التالي السابق


الخدمات العلمية