الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
29073 - قال مالك : الأمر عندنا فيمن سلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى ، فحل الأجل ، فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله ، فإنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه ، أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ، وإنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا ، حتى يقبضه منه ، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه [ ص: 24 ] أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه ، فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى .

29074 - قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى .


29075 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء في الشراء برأس مال المسلم من المسلم إليه شيئا بعد الإقالة ، فقول مالك ما وصفه في موطئه : لا يجوز حتى يقبض منه رأس ماله قبضا صحيحا .

29076 - وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، إلا أن مالكا لا يرى غير الطعام في ذلك كالطعام ، وإذا تقايلا عنده في غير الطعام ، جاز أن يأخذ من الطعام برأس ماله ما شاء إذا خالف جنس ما تقايلا فيه ، وتعجل ذلك ولا يؤخره .

29077 - وكذلك جائز عنده أن يشتري منه من غيره من جنسه وغير جنسه ، ويحيل عليه ، وإذا تقايلا في الطعام سلما كان أو غيره لم يجز له أن يأخذ منه برأس ماله شيئا من الأشياء ، لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى .

29078 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فلا يجوز عندهم شيء من ذلك في الطعام ، ولا في غيره من العروض كلها .

29079 - وهو قول أحمد ، وإسحاق ، قالا : بيع السلم من بائعه ومن غيره [ ص: 25 ] قبل قبضه فاسدة .

29080 - وحجتهم حديث عطية الكوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " .

29081 - وما روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا حين سئلوا عن ذلك : خذ ما سلمت فيه أو رأس مالك ، ولا تأخذ غير ذلك .

29082 - روي ذلك عن ابن عمر ، والحسن ، وعكرمة وجابر بن زيد ، وغيرهم .

29083 - وحجة مالك قد أوضحها على مذهبه .

29084 - وقال الشافعي ، والثوري ، وزفر : لا بأس أن يشتري السلم إذا أقال من سلمه ما شاء برأس ماله من المسلم إليه ومن غيره قبل قبضه له ، لأنه [ ص: 26 ] قد ملك كل واحد منهما بالإقالة البدل منها ، فإذا ملك رأس ماله بالإقالة جاز له التصرف فيه ، لأن العقد الأول قد بطل بالإقالة ، ولا حجة لمخالفه في حديث أبي سعيد الخدري ، وما كان مثله ، لأنه لم يصرف ما سلم فيه في غيره .

29085 - ومعنى النهي عن ذلك عندهم هو بيع ما سلم فيه قبل استيفائه ، فذلك هو صرفه .

29086 - قال أبو عمر : أصل هذه المسألة عند مالك وأصحابه الحكم بقطع الذرائع كان المسلم والمسلم إليه لما علما أن فسخ البيع في شيء آخر لا يجوز ، ذكر الإقالة ذكرا لا حقيقة له يستجيز بذلك صرف الطعام في غيره ، وذلك بيعه قبل استيفائه .

29087 - وقد أجمعوا أنه لو لم يستقل لم يجز له صرف رأس المال في غيره كما لا يجوز له صرف رأس ماله في دراهم أو دنانير أكثر منها .

التالي السابق


الخدمات العلمية