الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 240 ] الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة من الرجل . فيختلفان في الثمن . فيقول البائع : بعتكها بعشرة دنانير ، ويقول المبتاع ابتعتها منك بخمسة دنانير ، إنه يقال للبائع : إن شئت فأعطها للمشتري بما قال : وإن شئت فاحلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت . فإن حلف قيل للمشتري : إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع ، وإما أن تحلف بالله ما اشتريتها إلا بما قلت ، فإن حلف برئ منها ، وذلك أن كل واحد منهما مدع على صاحبه .


30001 - وروى ابن القاسم ، عن مالك أن السلعة إن كانت قائمة بيد البائع أو بيد المشتري ، فسواء ويتحالفان ويترادان .

30002 - وقال ابن القاسم : إن قبضها المبتاع وفاتت عنده بتمام ، أو نقصان ، أو تغير سوق ، أو بيع ، أو كتابة ، أو هبة ، أو هلال ، أو تقطيع في الثياب ، أو كانت دارا فبناها ، أو طال الزمان فتغيرت المساكن ، ثم اختلفا في الثمن ، فالقول قول المشتري مع يمينه .

30003 - وروى ابن وهب ، عن مالك أنهما يتحالفان إذا كانت السلعة قائمة عند البائع ، وأما إذا بان بها المشتري على نفسه ، فالقول قوله مع يمينه ، ولا يتحالفان .

30004 - وقال سحنون : رواية ابن وهب ، عن مالك هو قول مالك الأول ، وعليه أكثر الرواة ، ثم رجع مالك إلى ما رواه ابن المسيب .

[ ص: 241 ] 30005 - قال : وقال ابن القاسم : إذا تحالف رد البيع ، إلا أن يرضى المبتاع أن يأخذها بما قال البائع قبل الفسخ .

30006 - وقال سحنون : بل بتمام التحالف ينفسخ البيع .

30007 - قال : وهو قول شريح : إذا تحالفا ترادا ، وإن نكلا ترادا ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ، ترك البيع ، يريد على قول الحالف .

30008 - وروى ابن المواز ، عن ابن القاسم مثل قول شريح .

30009 - وقال عبد الملك بن حبيب : إن حلفا فسخ ، وإن نكلا كان القول قول البائع ، وذكره عن مالك .

30010 - قال أبو عمر : الخبر الذي ذكره سحنون عن شريح من طرقه عنه ما ذكره عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن شريح ، قال : إذا اختلف البيعان في البيع ، حلفا جميعا ، فإن حلفا رد البيع ، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر ، فهو للذي حلف ، فإن نكلا رد البيع .

[ ص: 242 ] 30011 - وقال ابن وهب ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : إذا اختلف المتبايعان في الثمن ، والسلعة قائمة ، تحالفا ، وترادا البيع ، ويبدأ البائع باليمين ، ثم يقال للمشتري : إما أن تأخذ بما حلف عليه البائع ، وإما أن تحلف على دعواك وتبرأ ، فإن حلفا جميعا رد البيع ، وإن نكلا جميعا رد البيع ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان البيع لمن حلف ، وسواء عند جميعهم كانت السلعة حاضرة قائمة العين بيد البائع ، أو بيد المبتاع ، فإن فاتت السلعة بيد المشتري وهلكت وذهب عينها ، فإن الثوري ، وأبا حنيفة ، وأبا يوسف ، والحسن بن حي ، والليث بن سعد ، ومالكا ، وأصحابه ، إلا أشهب - قالوا : القول قول المشتري مع يمينه ، ولا يتحالفان .

30012 - وقال أبو يوسف : قال أبو حنيفة ، القياس في المتبايعين إذا اختلفا ، فادعى البائع ألفا وخمسمائة ، وادعى المشتري ألفا أن يكون القول قول المشتري ، ولا يتحالفان ، ولا يترادان ؛ لأنهما قد أجمعا على ملك المشتري السلعة المبيعة .

30013 - واختلفا في ملك البائع على المشتري من الثمن ما لا يقر به المشتري ، فهما كرجلين ادعى أحدهما على الآخر ألف درهم وخمسمائة ، وأقر هو بألف ، فالقول قوله ، إلا أنا تركنا القياس للأثر في حال قيام السلعة ، فإذا فاتت السلعة عاد القياس .

[ ص: 243 ] 30014 - قال أبو عمر : كأنه يقول لما جاء في الحديث : أو يترادان ، علم أنه أراد رد الأعيان ، فإذ ذهبت الأعيان خرج من ظاهر الحديث ؛ لأن ما قد فات بيد المبتاع لا سبيل إلى رده ، وصار البائع مدعيا لثمن لا بينة له به ، وقد أقر له المشتري ببعضه ، فكان القول قوله مع يمينه ؛ لأنهما قد دخلا في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " البينة على المدعي واليمين على المنكر " .

30015 - وقال الشافعي ، ومحمد بن الحسن ، وعبيد الله بن الحسن - قاضي البصرة - وهو قول أشهب صاحب مالك : إن المتبايعين إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ، ويتفاسخان أبدا ، كانت السلعة قائمة بيد البائع ، أو المبتاع ، أو فاتت عند المبتاع ، فإن كانت قائمة تراداها ، وإن كانت فائتة ترادا قيمتها .

30016 - ومن حجتهم : معنى قولهم إن البائع لم يقر بخروج السلعة من ملكه إلا بصفة قد ذكرها أو ثمن قد وصفه لم يقر له المبتاع به .

30017 - وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك إليه إلا بصفة لم يصدقه البائع عليها ؛ لأنه متى ذكر ثمنها كذبه البائع فيه .

30018 - والأصل أن السلعة للبائع فلا تخرج عن ملكه إلا بيقين من إقرار أو [ ص: 244 ] بينة ، وإقراره منوط بصفة لم تقم للمشتري بينة بتكذيبها ، فحصل كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه .

30019 - وقد وردت السنة بأن يبدأ البائع باليمين ، وذلك - والله أعلم - لأن السلعة له ، فلا يعطاها أحد بدعواه ، فإذا حلف خير المبتاع في أخذها بما حلف عليه البائع إن شاء ، وإلا حلف أنه ما ابتاع إلا بما ذكر ، كدعوى البائع عليه بأكثر مما ذكر ، ثم يفسخ البيع بينهما ، وبهذا وردت السنة مجملة لم تخص كون السلعة بيد واحد دون الآخر ، ولا فوتها ، ولا قيام عينها .

30020 - ومعلوم أن التراد إذا وجب بالتحالف والسلعة حاضرة ، وجب أيضا بعد هلاكها ؛ لأن القيمة تقوم مقامها ، كسائر ما فات في البيوع ، فقد وجب رده ، كانت القيمة عند الجميع فيه بدلا منه .

30021 - وقال زفر : إن اتفقوا أن الثمن من جنس واحد كان القول في الثمن قول المشتري ، وإن اختلفا في جنسه تحالفا ، وترادا قيمة المبيع إن فاتت عينه .

30022 - وقال أبو ثور : إذا اختلف المتبايعان في الثمن فالقول قول المشتري أبدا مع يمينه إذا لم تكن بينة ، وسواء كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري ، أو فاتت عند البائع ، أو عند المشتري .

30023 - وهو قول داود .

[ ص: 245 ] 30024 - وضعفا حديث ابن مسعود في هذا الباب ولم يقولا بشيء من معناه .

30025 - وقال أبو ثور : البائع مقر بزوال ملكه للسلعة مصدق للمشتري في ذلك ، وهو مدع عليه من الثمن ما لا يقر له به المشتري ، ولا بينة معه ، فصار القول قول المشتري مع يمينه على كل حال .

30026 - وهو قول داود .

التالي السابق


الخدمات العلمية