الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
177 [ ص: 149 ] ( 6 ) باب العمل في القراءة

152 - ذكر فيه مالك حديث علي - رضي الله عنه - وليس فيه من معنى القراءة غير النهي عن قراءة القرآن في الركوع ، وفيه النهي عن لبس القسي ، وتختم الذهب .


4511 - رواه مالك وجماعة عن نافع ، ورواه جماعة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين .

4512 - واختلف في إسناده وفي كثير من ألفاظه على إبراهيم اختلافا كثيرا ، قد ذكرنا ذلك في " التمهيد " .

[ ص: 150 ] 4513 - وعند ابن عيينة فيه إسناد لم يختلف فيه ، رواه عن عمرو بن دينار ، عن [ ص: 151 ] محمد بن علي ، قال : قال علي : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ولا أقول نهاكم - أن أقرأ راكعا ، أو ساجدا ، أو أتختم الذهب ، أو ألبس القسي ، أو أركب على الميثرة الحمراء .

4514 - وأما القسي فثياب مضلعة بالحرير يقال : لها القسية ، تنسب إلى موضع يقال له : قس ، يذكر أنها قرية من قرى مصر ، وهي ثياب يلبسها الأمراء ونساؤهم .

4515 - وقال النميري : فأدنين حتى جاوز الركب دونها حجابا من القسي والحبرات .

4516 - وقد ذكرنا في التمهيد اختلاف العلماء في لبس قليل الحرير للرجال ، وفي الثياب التي يخالطها الحرير لهم ، وبسطنا القول فيه بالآثار . والحمد لله .

[ ص: 152 ] [ ص: 153 ] [ ص: 154 ] 4517 - ويأتي من ذلك في كتاب الجامع من هذا الديوان ما فيه كفاية - إن شاء الله - .

4518 - وأما قراءة القرآن في الركوع فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز ; امتثالا لحديث هذا الباب ، وحديث ابن عباس عن النبي - عليه السلام - : " ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم " .

4519 - وقد ذكرنا الخبر بذلك مسندا في التمهيد .

4520 - وأجمعوا أن الركوع موضع لتعظيم الله بالتسبيح وأنواع الذكر ، واختلف [ ص: 155 ] الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود .

4521 - فقال ابن القاسم عن مالك : إنه لم يعرف قول الناس في الركوع : سبحان ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، وأنكره ، ولم يحد في الركوع دعاء مؤقتا ، ولا تسبيحا مؤقتا .

4522 - وقال : إذا أمكن المصلي يديه من ركبتيه في الركوع ، وجبهته من الأرض في السجود - فقد أجزأ عنه .

4523 - قال أبو عمر : إنما قال ذلك - والله أعلم - فرارا من إيجاب التسبيح في الركوع والسجود ، ومن الاقتصار على " سبحان ربي العظيم " في الركوع ، وعلى " سبحان ربي الأعلى " في السجود ، كما اقتصر عليه غيره من العلماء دون غيره من الذكر .

4524 - والحجة له قوله - عليه السلام - : " إذا ركعتم فعظموا الرب ، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء " .

[ ص: 156 ] 4525 - ولم يخص ذكرا من ذكر ، وأنه - عليه السلام - قد جاء عنه في ذلك ضروب وأنواع تنفي الاقتصار على شيء بعينه من التسبيح والذكر .

4526 - فمنها حديث مطرف ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : " سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح " .

4527 - ومنها حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول في ركوعه وسجوده : " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " .

4528 - ومنها أنه كان يدعو في سجوده كثيرا .

4529 - وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق : يقول المصلي في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، ثلاثا ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، ثلاثا . وهو أقل التمام والكمال في ذلك .

4530 - وقال الثوري : أحب إلي أن يقولها الإمام خمسا في الركوع والسجود ، حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات .

4531 - وحجتهم حديث عقبة بن عامر ، وقد ذكرناه بإسناده في التمهيد عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " لما نزلت " فسبح باسم ربك العظيم " [ سورة : 74 ] [ ص: 157 ] الواقعة - قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في ركوعكم . فلما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " [ سورة الأعلى : 1 ] - قال : اجعلوها في سجودكم .

4532 - وحديث حذيفة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " ، وفي سجوده : " سبحان ربي الأعلى " .

4533 - قالوا وهو أولى ; لأنه تفسير لقوله في الركوع : " عظموا فيه الرب " .

فهذا عند جمهور العلماء في الفريضة ، وسائر ما روي عنه - عليه السلام - جعلوه أنه كان منه في صلاته بالليل ونافلته ، واقتصروا في الركوع والسجود من المكتوبات على حديث عقبة بن عامر : سبحان ربي العظيم في الركوع ، ثلاثا ، وسبحان ربي الأعلى ، ثلاثا في السجود .

[ ص: 158 ] 4534 - وكل ذلك واسع لا حرج في شيء منه ، ولا يحرج أيضا من تركه . والحمد لله الذي جعل في الدين سعة ، ولم يجعل فيه من حرج .

4535 - وأما لباس المعصفر والمفدم وغيره من صباغ المعصفر - فمختلف فيه ; أجازه قوم من أهل العلم ، وكرهه آخرون .

4536 - ولا حجة عندي لمن أباحه مع ما جاء في حديث هذا الباب من نهيه عليا عن لبس المعصفر ، إلا أن يدعى أن ذلك خصوص لعلي وحده ; لقوله : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أقول نهاكم .

4537 - وبعضهم يقول فيه : نهاني ، ولا أقول : نهى الناس .

4538 - وهذا اللفظ محفوظ في حديث علي هذا من وجوه .

4539 - وليس دعوى الخصوص فيه بشيء ; لأن الحديث في النهي عن لباس المعصفر والقسي وتختم الذهب - كل ذلك - للرجال دون النساء - صحيح مروي من وجوه ثابتة .

4540 - وقد ذكرنا في " التمهيد " حديث عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا أركب الأرجوان ، ولا ألبس المعصفر " ، الحديث .

[ ص: 159 ] 4541 - وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عليه ثوبين معصفرين ، فأمره بحرقهما .

4542 - وذلك عند العلماء عقوبة ; لأنه لبسهما بعد علمه بالنهي . والله أعلم .

4543 - وقد جاء عن ابن عمر وغيره من أهل المدينة - جواز لبس المعصفر للنساء والرجال .

4544 - وسترى هذا المعنى واضحا في الجامع - إن شاء الله تعالى - .

4545 - وذكر ابن القاسم عن مالك قال : أكره المعصفر المفدم للرجال والنساء ; أن يحرموا فيه ; لأنه ينتفض .

4546 - قال مالك : وأكرهه أيضا للرجال في غير الإحرام .

4547 - وذكر أيضا في هذا الباب حديثه عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم التمار ، عن البياضي .

4548 - وقد ذكرنا محمد بن إبراهيم ، وأنه من التابعين ممن لقي سعد بن أبي وقاص وابن عمر ، وذكرنا روايته ونسبه ، كل ذلك في التمهيد مذكور .

[ ص: 160 ] 4549 - وذكرنا أن أبا حازم التمار اسمه دينار ، مولى الأنصار .

4550 - وعن حبيب عن مالك أن اسم أبي حازم التمار يسار ، مولى قيس بن سعد بن عبادة .

4551 - وقيل في أبي حازم التمار : إنه مولى الغفاريين ، وقيل : هو مولى أبي رهم الغفاري .

4552 - وأما البياضي فيقول : اسمه فروة بن عمرو بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة ، فخذ من الأنصار . وقد ذكرناه في الصحابة .

4553 - ومعنى هذا الحديث في النافلة ; إذا كان كل أحد يصلي لنفسه .

4554 - وأما صلاة الفريضة فقد أحكمت السنة جهرها وسرها .

4555 - وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجمعهم لها إلا في حديث ابن شهاب ، ويأتي في موضعه من هذا الكتاب - إن شاء الله - .

[ ص: 161 ] 4556 - وقد روى حماد بن زيد هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم التمار مولى الأنصار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معتكفا في شهر رمضان في قبة على بابها حصير ، قال : وكان الناس يصلون عصبا عصبا ، قال : فلما كان ذات ليلة رفع باب القبة ، فأطلع رأسه ، فلما رآه الناس أنصتوا ، فقال : " إن المصلي يناجي ربه ، فلينظر أحدكم بما يناجي به ربه ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة " .

4557 - أرسله حماد بن زيد ، وجاء فيه بالمعنى الذي ذكرنا .

4558 - وقد ذكرنا طرقه في التمهيد ، منها : أن الليث بن سعد رواه عن ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني بياضة من الأنصار أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو مجاور في المسجد ، فوعظ الناس ، وحذرهم ، ورغبهم ، وقال : " ليس مصل يصلي إلا وهو يناجي ربه ; فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " .

[ ص: 162 ] 4559 - قال الليث : وحدثنيه ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم مولى الغفاريين أنه حدثهم هذا الحديث عن البياضي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

4560 - فقد بان برواية الثقات لهذا الحديث ما وصفنا من أن مخرجه كان على ما ذكرنا .

4561 - وفي معناه : أنه لا يحب لكل مصل يقضي فرضه ، وإلى جنبه من يعمل مثل عمله - أن يفرط في الجهر ; لئلا يخلط عليه ، كما لا يحب ذلك لمتنفل إلى جنب متنفل مثله .

4562 - وإذا كان هذا هكذا ; فحرام على الناس أن يتحدثوا في المسجد بما يشغل المصلي عن صلاته ، ويخلط عليه قراءته .

4563 - وواجب لازم على كل من يطاع أن ينهى عن ذلك ; لأن ذلك إذا لم يجز للمصلي التالي للقرآن - فأين الحديث بأحاديث الناس من ذلك ؟ .

4564 - وقد روي من حديث أبي سعيد مثل حديث البياضي عن النبي - عليه السلام - ، قد ذكرناه في التمهيد .

[ ص: 163 ] 4565 - ومن حديث علي قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع الرجل صوته قبل العشاء وبعدها ، فيغلط أصحابه وهم يصلون " .

التالي السابق


الخدمات العلمية