الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 129 ] 17 - باب القضاء في استهلاك الحيوان والطعام وغيره

1408 م - قال مالك : الأمر عندنا فيمن استهلك شيئا من الحيوان بغير إذن صاحبه ، أن عليه قيمته يوم استهلكه . ليس عليه أن يؤخذ بمثله من الحيوان . ولا يكون له أن يعطي صاحبه ، فيما استهلك ، شيئا من الحيوان . ولكن عليه قيمته يوم استهلكه . القيمة أعدل ذلك فيما بينهما ، في الحيوان والعروض .

قال : وسمعت مالكا يقول ، فيمن استهلك شيئا من الطعام بغير إذن صاحبه : فإنما يرد على صاحبه مثل طعامه . بمكيلته من صنفه . وإنما الطعام بمنزلة الذهب والفضة . إنما يرد من الذهب الذهب . ومن الفضة الفضة . وليس الحيوان بمنزلة الذهب في ذلك . فرق بين ذلك السنة ، والعمل المعمول به .


32103 - قال أبو عمر : أجمع العلماء - لا خلاف بينهم فيما علمت - أن من استهلك ذهبا ، أو ورقا ، أو طعاما مكيلا ، أو موزونا أنه عليه مثل ما استهلك من صنفه بوزنه وكيله على ظاهر قول الله عز وجل : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : 126 ] .

32104 - واختلفوا فيمن استهلك شيئا من الحيوان :

32105 - فقال منهم قائلون : لا يقضي بالقيمة في شيء من الأشياء إلا عند عدم المثل .

[ ص: 130 ] 32106 - وممن قال ذلك : الشافعي ، وأبو حنيفة ، وداود ، وأصحابهم .

32107 - وحجتهم قول الله عز وجل : وإن عاقبتم . . . الآية .

32108 - ومن الأثر ما حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثني خالد ، قال : أبو داود : وحدثني مسدد ، قال : حدثني يحيى ، جميعا عن حميد ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادمها قصعة فيها طعام ، قال : فضربت بيدها ، فكسرت القصعة .

قال ابن المثنى في حديثه : فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكسرتين ، فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل يجمع فيها الطعام ، ويقول : غارت أمكم ، كلوا فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها ، زاد ابن المثنى : كلوا ; فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها - ثم رجع إلى لفظ حديث مسدد ، وقال : كلوا ، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول ، وحبس المكسورة في بيته .

32109 - قال أبو داود : وحدثني مسدد ، قال حدثني يحيى ، عن سفيان الثوري ، قال : حدثني فليت العامري ، قال أبو داود : وهو أفلت بن خليفة ، عن جسرة بنت دجاجة ، قالت : قالت عائشة : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية ، صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما فبعثت به ، فأخذني أفكل ، فكسرت الإناء ، فقلت : يا رسول [ ص: 131 ] الله ! ما كفارة ما صنعت ؟ قال : إناء مثل إناء ، وطعام مثل طعام .

32110 - واحتج بهذا كل من قال بالمثل في العروض ، وغيرها ; لأنه ضمن القصعة بقصعة مثلها ، كما ضمن الطعام بطعام مثله .

32111 - وقال مالك ، ومن تابعه : لا يقضى في الحيوان من العروض ، وغيره إلا بالقيمة .

32112 - وحجتهم حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى فيمن أعتق شركا له في عبد بقيمة حصة شريكه دون حصته من عبد مثله .

32113 - قال أبو عمر : المثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد ، وكما أن القيمة تدرك بالاجتهاد ، وقيمة العدل في الحقيقة مثل .

32114 - وقد قال العراقيون في قول الله عز وجل فجزاء مثل ما قتل من النعم [ المائدة : 95 ] : إن القيمة مثل في هذا الموضع ، فتناقضوا .

32115 - والحديث في القضاء بالقيمة في الشقص من العبد أصح من حديث القصعة ، فهو أولى أن يمتثل ، ويعمل ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية