الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 196 ] 22 - باب القضاء في ميراث الولد المستلحق

1420 - قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون ، فيقول أحدهم : قد أقر أبي أن فلانا ابنه : إن ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد ، ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من مال أبيه ، يعطى الذي شهد له قدر ما يصيبه من المال الذي بيده .

قال مالك : وتفسير ذلك ، أن يهلك الرجل ويترك ابنين له ، ويترك ستمائة دينار ، فيأخذ كل واحد منهما ثلاثمائة دينار ، ثم يشهد أحدهما أن أباه الهالك أقر أن فلانا ابنه ، فيكون على الذي شهد للذي استلحق ، مائة دينار ، وذلك نصف ميراث المستلحق ، لو لحق ، ولو أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى ، فاستكمل حقه وثبت نسبه .

وهو أيضا بمنزلة المرأة تقر بالدين على أبيها أو على زوجها ، وينكر ذلك الورثة ، فعليها أن تدفع إلى الذي أقرت له بالدين قدر الذي يصيبها من ذلك الدين ، لو ثبت على الورثة كلهم ، إن كانت امرأة ورثت الثمن ، دفعت إلى الغريم ثمن دينه ، وإن كانت ابنة ورثت النصف ، دفعت إلى الغريم نصف دينه على حساب هذا يدفع إليه من أقر له من النساء .

قال مالك : وإن شهد رجل على مثل ما شهدت به المرأة أن لفلان على [ ص: 197 ] أبيه دينا ، أحلف صاحب الدين مع شهادة شاهده ، وأعطي الغريم حقه كله ، وليس هذا بمنزلة المرأة ; لأن الرجل تجوز شهادته ، ويكون على صاحب الدين ، مع شهادة شاهده ، أن يحلف ، ويأخذ حقه كله ، فإن لم يحلف أخذ من ميراث الذي أقر له قدر ما يصيبه من ذلك الدين ; لأنه أقر بحقه ، وأنكر الورثة ، وجاز عليه إقراره .


32410 - قال أبو عمر : أما المقر بأخ مجهول ، وله أخ معروف يجحد ذلك ، فقد اختلف الفقهاء بما يلزمه أخاه الذي أقر به :

فالذي ذهب إليه مالك ، وأصحابه ما ذكره في موطئه أنه يعطيه ثلث ما بيده ، لا يلزمه أكثر من ذلك ; لأنه لو ثبت أنه أخ لم يلزمه أكثر من ذلك ، فلا يلزمه بإقراره أكثر مما كان يلزمه بالبينة أنه ابن أبيه .

32411 - وبه قال أحمد بن حنبل .

32412 - والكوفيون يلزمه أن يعطيه نصف ما بيده ; لأنه قد أقر أنه شريك له فيما ترك أبوه ، فلا يستأثر عليه بشيء ، قالوا : يدخل عليه من ظلم أخيه له كما يدخل على المجحود الذي أقره به .

32413 - وقال الشافعي : لا يلزمه من جهة القضاء أن يعطيه شيئا ; لأنه أقر له بشيء لا يستحقه إلا من جهة النسب ، ولا يستحقه إلا بإقرار أخيه وحده إذا كان ، ثم من الورثة من يدفعه ، فإذا لم يثبت نسبه بإقرار أخيه وحده لم يستحق شيئا [ ص: 198 ] من الميراث ، وهذا أصح ما فيه عندنا ، وإن شاء المقر أن يعطيه شيئا أعطاه .

32414 - وقول الليث بن سعد كقول الشافعي .

32415 - واتفقوا أن نسب الأخ المقر به يثبت لو أقر له الابنان جميعا ، وكذلك إذا أقر به جميع الورثة .

32416 - واختلفوا إذا جحده بعض الورثة ، وأقر به بعضهم :

32417 - فالجمهور على أنه لا يثبت نسبه إلا أن يقر به اثنان ، فصاعدا .

32418 - وقد روي عن الشافعي خلاف ما تقدم ذكره في الابن الواحد يقر به الأخ إذا لم يكن هناك وارث غيره أنه يلحق نسبه ، والمشهور عنه ما تقدم ذكره .

32419 - وأما إقرار الوارث بدين إذا أنكر سائر الورثة ; فالذي عليه مالك ، وأصحابه ، والمعروف من مذهبهم في الحجاز ، والعراق ، ومصر أنه لا يلزم المقر من الدين إلا مقدار ما يصيبه في حصته إذا كانت ابنة لا وارث له غيرها فالنصف ، وإن كانت أما ، فالثلث ، وإن كانت زوجا فالربع ، أو الثمن ، وإن كان أخا لأم فالسدس .

32420 - على هذا جماعتهم أن الإقرار بالدين كالإقرار بالولد وكالإقرار بالوصية .

32421 - إلا ما ذكره ابن حبيب ، فإنه قال أصحاب مالك كلهم يرون هذا القول من مالك وهما ; لأنه لا ميراث لوارث إلا بعد قضاء الدين .

32422 - قال أبو عمر : بل أصحاب مالك كلهم على ما رواه مالك ، [ ص: 199 ] والمتأخرون منهم ينكرون على ابن حبيب قوله هذا .

32423 - وكان أبو عمر ; أحمد بن عبد الملك بن هاشم شيخنا - رحمه الله - ينكر على ابن حبيب كل الإنكار ، ينكر ويقول : لا أعرف ما حكاه ابن حبيب عن أحد من أصحاب مالك .

32424 - وقال أحمد بن حنبل كما قال مالك : لا يلزم المقر بالدين من الورثة إلا بمقدار ميراثه .

32425 - وقالت طائفة من الكوفيين وغيرهم : يلزم المقر بالدين أداء الدين كله من حصته ; لأنه لا يحل له أن يرث ، وعلى أبيه دين ، وجعلوا الجاحد كالغاصب ببعض مال الميت .

32426 - وقد أجمعوا أنه يؤدي الدين مما بقي بعد الغصب إذا لم يقدر على الغاصب والسارق .

32427 - وكذلك أجمعوا أنه لو كان وارثا واحدا ، وأقر لزمه الدين كله الذي أقر به ولم يرث إلا ما فضل عن الدين .

32428 - وروي ذلك عن عبد الملك بن الماجشون .

32429 - قال أبو عمر : وجه قول مالك ومن تابعه على ذلك أن إقرار المقرين على أنفسهم بمنزلة البينة ثبتت عليهم بما أقروا به ، ولو شهدت البينة بالدين لم يلزم المشهود عليه إلا مقدار حصته من الميراث .

[ ص: 200 ] 32430 - وكذلك لو أقر بوصية ، أو شهدت بذلك البينة .

32431 - ويدل على صحة قول مالك أيضا أنهم قد أجمعوا أنه لو شهد رجلان من الورثة على الميت بالدين قبلت شهادتهما ، وكان على كل وارث بمقدار ميراثه .

32432 - وقال الكوفيون : لو كانا غير عدلين لزمهما الدين كله في حصتيهما ، ولم يلزم سائر الورثة شيء ، فكيف يقبلون شهادة من إذا ثبتت شهادته كان بها جارا إلى نفسه ، أو دافعا عنها .

التالي السابق


الخدمات العلمية