الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
34870 - قال مالك في رجل كاتب عبده عند موته ، أنه يقوم عبدا ، فإن كان في ثلثه سعة لثمن العبد ، جاز له ذلك .

34871 - قال مالك : وتفسير ذلك ، أن تكون قيمة العبد ألف دينار ، فيكاتبه سيده على مائتي دينار عند موته ، فيكون ثلث مال سيده ألف دينار ،

[ ص: 350 ] فذلك جائز له ، وإنما هي وصية أوصى له بها في ثلثه ، فإن كان السيد قد أوصى لقوم بوصايا ، وليس في الثلث فضل عن قيمة المكاتب بدئ بالمكاتب ; لأن الكتابة عتاقة ، والعتاقة تبدأ على الوصايا ، ثم تجعل تلك الوصايا في كتابة المكاتب ، يتبعونه لها ، ويخير ورثة الموصي ، فإن أحبوا أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم كاملة ، وتكون كتابة المكاتب لهم ، فذلك لهم وإن أبوا وأسلموا المكاتب وما عليه إلى أهل الوصايا ، فذلك لهم ; لأن الثلث صار في المكاتب ، ولأن كل وصية أوصى بها أحد ، فقال الورثة : الذي أوصى به صاحبنا أكثر من ثلثه ، وقد أخذ ما ليس له ، قال : فإن ورثته يخيرون ، فقال لهم : قد أوصى صاحبكم بما قد علمتم ، فإن أحببتم أن تنفذوا ذلك لأهله ، على ما أوصى به الميت ، وإلا فأسلموا أهل الوصايا ثلث مال الميت كله .

34872 - قال : فإن أسلم الورثة المكاتب إلى أهل الوصايا ، كان لأهل الوصايا ما عليه من الكتابة ، فإن أدى المكاتب ما عليه من الكتابة أخذوا ذلك في وصاياهم على قدر حصصهم ، وإن عجز المكاتب كان عبدا لأهل الوصايا ، لا يرجع إلى أهل الميراث ; لأنهم تركوه حين خيروا ، ولأن أهل الوصايا حين أسلم إليهم ضمنوه ، فلو مات لم يكن لهم على الورثة شيء ، وإن مات المكاتب قبل أن يؤدي كتابته ، وترك مالا هو أكثر مما عليه فماله لأهل الوصايا ، وإن أدى المكاتب ما عليه عتق ، ورجع [ ص: 351 ] ولاؤه إلى عصبة الذي عقد كتابته .


34873 - قال أبو عمر : أما قوله في رجل كاتب عبده عند موته أنه يقوم عبدا ، فإن كان في ثلثه سعة لثمن العبد جاز ذلك ، فعلى هذا جمهور العلماء .

34874 - وشذ أهل الظاهر فقالوا ذلك في رأس ماله ، وكذلك عندهم كل عطية بتلة في المرض .

34875 - والحجة عليهم حديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته لا مال له غيرهم ، فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

34876 - فهذه قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فعل المريض في ماله إذا مات من مرضه ذلك ، حكمه حكم الوصايا .

34877 - وسنذكر هذا الحديث وما فيه من المعاني لسائر العلماء في موضعه إن شاء الله عز وجل .

34878 - وأما قوله : إن كان في ثلثه سعة لثمن العبد ، فذلك جائز - يعني للعبد - ، وإنما هو وصية أوصى له بها في ثلثه ، كأنه يعني أوصى له بثمانمائة [ ص: 352 ] دينار ; لأنه كاتبه بمائتي دينار ، وقيمة العبد ألف دينار ، وثلث سيده ألف دينار ، فينبغي على هذا أن يكون أربعة أخماس العبد حرا ; لأن من قول مالك في الرجل يوصي لعبده بثلث ماله ، أنه يعتق في الثلث ، إن حمله ، ويعطي بعد عتقه ما فضل من الثلث إن فضل منه شيء .

34879 - وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والليث ، والحسن بن صالح ، في الرجل يوصي لعبده .

34880 - وخالفهم الأوزاعي ; فقال : من أوصى لعبده ، فوصيته باطل ، ويرجع ذلك إلى الورثة .

34881 - وأما قوله في الورثة : وإذا قالوا : ما أوصى به صاحبنا أكثر من الثلث أنهم يخيرون بين أن يسلموا للموصى له ما أوصى له به ، وبين أن يعطوه جميع ثلث الميت ، فإن هذه المسألة لمالك وأصحابه ، وطائفة من أهل المدينة ، تعرف بمسألة خلع الثلث ، قد خالفهم فيها الشافعي ، والكوفيون ، وأكثر الفقهاء ; وقالوا : لا يجوز ذلك ; لأنه بيع مجهول بمعلوم ، وتأتي في موضعها ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية