الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1551 [ ص: 7 ] 41 - كتاب الحدود

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ( 1 ) باب ما جاء في الرجم

1525 - مالك عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ؛ أنه قال : جاءت اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم [ ص: 8 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ " . فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، فقال عبد الله بن سلام : كذبتم . إن فيها [ ص: 9 ] الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم . ثم قرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية الرجم . فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما .

فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها [ ص: 10 ] الحجارة .

35113 - قال مالك : يعني يحني يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه .


35114 - قال أبو عمر : كذا رواه يحيى ، عن مالك ، يحني على المرأة . يريد : يميل عليها ، كأنه مأخوذ من حنى الشيخ ، إذا انحنى .

35115 - وقال أبو عبيد : كذا يرويه أهل الحديث ، وإنما هو : يجنأ مهموز ، يقال منه جنأ يجنأ جنأ وجنوءا ، إذا مال ، والمنحنئ ، والانحناء ، حنأ ويحنأ . بمعنى واحد .

[ ص: 11 ] 35116 - قال أبو عمر : قد روي : يحنئ بالحاء عن طائفة من أصحاب مالك ، والمعنى متقارب جدا .

35117 - وقال أيوب ، عن نافع : يحانئ عنها بيده .

35118 - وقال معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر : يجافي بيده .

35119 - وفي هذا الحديث جواز سؤال أهل الكتاب عن كتابهم ، وفى ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم ؛ ولولا ذلك ما سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها .

35120 - ‌وفيما ذكرنا دليل على أن ما كانوا يكتبونه بأيديهم ، ثم يقولون : هذا من عند الله ، هي كتب أحبارهم ورهبانهم ؛ كانوا يصنعون لهم كتبا من آرائهم ، ويضيفونها إلى الله عز وجل ؛ ولهذا ، وشبهه من إشكال أمرهم نهينا عن تصديق ما حدثونا به ، وعن تكذيبه ؛ حذرا من أن نصدق بباطل ، أو نكذب بحق ، وقد أفردنا لهذا المعنى بابا في كتابنا ( كتاب بيان العلم وفضله ) 0

35121 - وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن من اليهود قوما يكذبون على توراتهم ، ويسترون منها عن المسلمين ما يشهد للمسلمين ، ويوافق دينهم ؛ لأنهم ذكروا أن الزناة - محصنين كانوا ، أو غير محصنين - ليس عليهم في التوراة رجم ، وكذبوا ؛ لأن فيها على من أحصن الرجم .

[ ص: 12 ] 35122 - وفيه أن أهل الكتاب ، إذا ارتفعوا إلينا متحاكمين ، راضين بحكمنا فيهم ، وكانت شريعتنا موافقة في ذلك لحكم شريعتهم ، جاز لنا أن نظهر عليهم بكتابهم حجة عليهم ، وإن لم تكن الشريعة في ذلك الحكم موافقة لحكمهم ، حكمنا بينهم بما أنزل الله تعالى في كتابه القرآن ، إذا تحاكموا إلينا ، ورضوا بحكمنا ، ويتحمل ذلك أن يكون خصوصا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإجماع على أن ذلك ، لم يعمل به أحد بعده ، ولقول الله عز وجل : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) [ العنكبوت : 51 ] والله أعلم .

35123 - واختلف العلماء في الحكم بينهم ، إذا ترافعوا إلينا ، في خصوماتهم وسائر مظالمهم وأحكامهم ؛ هل علينا أن نحكم بينهم فرضا واجبا ؟ أم نحن فيه مخيرون ؟ . 35124 - فقال جماعة من فقهاء الحجاز ، والعراق ؛ إن الإمام ، والحاكم يخير ؛ إن شاء حكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الإسلام ، وإن شاء أعرض عنهم .

35125 - وقالوا : إن هذه الآية محكمة ، لم ينسخها شيء . قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) [ المائدة 42 ] .

35126 - وممن قال ذلك ؛ مالك ، والشافعي أحد القولين .

35127 - وهو قول عطاء ، والشعبي ، والنخعي .

[ ص: 13 ] 35128 - وروي ذلك عن ابن عباس ، من حديث ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . . . ) الآية [ المائدة : 42 ] قال : نزلت في بنى قريظة ، وهي محكمة .

35129 - وذكر وكيع ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، وإبراهيم : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) الآية [ المائدة : 42 ] قال : إن شاء حكم ، وإن لم يشأ لم يحكم .

35130 - وروى عيسى ، عن ابن القاسم ، قال : إن تحاكم أهل الذمة إلى حكم المسلمين ، ورضي الخصمان به جميعا ، فلا يحكم بينهم إلا برضى من أساقفتهم ، فإن كره ذلك أساقفتهم ، فلا يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ، ولم يرض الخصمان ، أو أحدهما ، لم يحكم بينهم المسلمون .

35131 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : مضت ‌السنة أن [ ص: 14 ] يرد أهل الذمة في حقوقهم ، ومعاملاتهم ، ومواريثهم ، إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين ، فيحكم بينهم حاكمنا بكتاب الله عز وجل ؛ ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) الآية [ المائدة : 42 ] .

3532 - وعن الثوري ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، قال : كتب محمد بن أبي بكر إلى علي - رضي الله عنه - يسأله عن مسلم زنى بنصرانية ، فكتب إليه : أقم الحد على المسلم ، ورد النصرانية إلى أهل دينها .

35133 - وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه إذا تحاكموا إليه ، وزعموا أن قوله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) الآية [ المائدة : 49 ] ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه .

35134 - وروي ذلك عن ابن عباس ، من حديث سفيان بن حسين ، والحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

35135 - ومنهم من يرويه عن سفيان بن حسين عن الحكم ، عن مجاهد من قوله ، وهو صحيح عن مجاهد ، وعكرمة .

[ ص: 15 ] 35136 - وبه قال الزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والسدي .

35137 - وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه .

35138 - وهو أحد قولي الشافعي .

35139 - وبه قال أبو حنيفة ؛ قال : إذا جاءت المرأة والزوج ، فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ، ولم يرض الزوج ، لم يحكم .

35140 - وقال أبو يوسف ، ومحمد : بل يحكم .

35141 - وكذلك اختلف أصحاب مالك ، على هذين القولين ، إذا شكا أحد الزوجين ، وأبى صاحبه من التحاكم إلينا ؛ فمنهم من قال : يحكم ؛ لأنه من التظالم الذي لم يلزمه أن يمنع منه بعضهم من بعض .

35142 - ومنهم من قال : لا يحكم بينهما : إلا أن يرضيا جميعا بحكمه .

35143 - ولم يختلف قول مالك وأصحابه في الذمي يسرق الذمية ، ويرفع إلى حاكم المسلمين ، أنه يلزمه الحكم بينهما بالقطع للسارق منهما ؛ لأن ذلك من الحرابة والفساد ، فلا يقرون عليه ، ولا على التلصص .

35144 - وقال الشافعي : ليس الحاكم بالخيار ، في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم حكم الإسلام ، إذا جاءه في حد لله - عز وجل - وعليه أن يقيمه ؛ لقول الله عز وجل : ( وهم صاغرون ) الآية [ التوبة : 29 ] .

35145 - واختاره المزني ، وقال في كتاب الحدود : لا يحدون إذا جاءوا إلينا في [ ص: 16 ] حد الله تعالى ، ويردهم الحاكم إلى أهل دينهم .

35146 - قال الشافعي : وما كانوا يدينون به ، فلا يحكم عليهم بإبطاله ، إذا لم يرتفعوا إلينا ، ولا يكفوا عما استحلوا ، ما لم يكن ضررا على مسلم ، أو معاهد ، أو مستأمن .

35147 - قال : وإن جاءت امرأة تستعدي بأن زوجها طلقها ، أو آلى منها ، حكمه حكم المسلمين .

35148 - قال أبو عمر : الصحيح في النظر - عندي - أن لا يحكم بنسخ شيء من القرآن ، إلا بما قام به الدليل ، الذي لا مدفع له ، ولا يحتمل التأويل ، وليس في قوله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] دليل على أنها ناسخة لقوله عز وجل : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) الآية [ المائدة : 42 ] ؛ لأنها تحتمل معناها أن تكون : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، إن حكمت ، ولا تتبع أهواءهم ، فتكون الآيتان محكمتين ، مستعملتين ، غير متدافعتين .

35149 - نقف على هذا الأصل في نسخ القرآن بعضه ببعض ؛ لأنه لا يصح إلا بإجماع لا تنازع فيه ، أو لسنة لا مدفع لها ، أو يكون التدافع في الآيتين غير ممكن فيهما استعمالهما ، ولا استعمال أحدهما ، أن لا يدفع الأخرى ، فيعلم أنها ناسخة لها ، وبالله التوفيق .

[ ص: 17 ] 35150 - واختلف الفقهاء أيضا في اليهودين من أهل الذمة ، إذا زنيا ، هل يحدان إذا رفعهما حكامهم إلينا ، أم لا ؟ .

35151 - فقال مالك : إذا زنا أهل الذمة ، أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام ، إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ، فيدخلوا عليهم الضرر ، فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين .

35152 - وإنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين ؛ لأنه لم يكن لليهود - يومئذ - ذمة ، وتحاكموا إليه .

35153 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : يحدان إذا زنيا ، كحد المسلم .

35154 - وهو أحد قولي الشافعي ؛ قال في كتاب الحدود : إن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم أو ندع ، فإن حكمنا حددنا المحصن بالرجم ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين زنيا ، وجلدنا البكر مائة ، وغربناه عاما .

35155 - وقال في كتاب الجزية : لا خيار للإمام ، ولا للحاكم ، إذا جاءه في حد الله - عز وجل - وعليه أن يقيمه عليهم ؛ في قول الله - عز وجل : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) الآية [ التوبة : 29 ] والصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام .

35156 - وهذا القول ، اختاره المزني ، واختار غيره من أصحاب الشافعي القول الأول .

35157 - وقال الطحاوي ، حين ذكر قول مالك : إنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 18 ] اليهوديين ؛ لأنه لم تكن لهم ذمة ، وتحاكموا إليه .

35158 - قال : ولو لم يكن واجبا عليهم ؛ لما أقامه النبي صلى الله عليه وسلم .

35159 - قال : وإذا كان من لا ذمة له ، قد حده النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا ، فمن له ذمة أحرى بذلك .

35160 - قال : ولم يختلفوا أن الذمي يقطع في السرقة .

35161 - قال أبو عمر : سنذكر اختلافهم في حد الإحصان ، في موضعه من هذا الكتاب ، إن شاء الله عز وجل .

35162 - وقالت طائفة ممن رأى آية التخيير في الحكم بين أهل الذمة منسوخة لقول الله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] ، قالوا على الإمام ، إذا علم من أهل الذمة حدا من حدود الله - عز وجل - أن يقيمه عليهم وإن لم يتحاكموا إليه ؛ لأن الله تعالى يقول : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) الآية [ المائدة : 49 ] ولم يقل : إن تحاكموا إليك .

35163 - قالوا : والسنة تبين ذلك .

35164 - واحتجوا بحديث البراء بن عازب في ذلك ، وقد ذكرناه في " التمهيد " ، وليس فيه بيان ما ذكروا ، ولا يثبت ما ادعوا .

[ ص: 19 ] 35165 - واحتجوا أيضا بحديث مالك ، وليس فيه أن اليهود تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ليس بشيء ؛ لأن فيه أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يأتوا إلا متحاكمين إليه ، راضين بحكمه ، وهم كانوا الذين إليهم إقامة الحدود عندهم ، ودعوه إلى الحكم بينهم ، وجاءوه بالتوراة إذ دعاهم إليها .

35166 - ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة ، من رواية ابن شهاب ، وغيره وعن رجل من مزينة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، وقد ذكرناه بطوله من طرق في " التمهيد " .

[ ص: 20 ] 35167 - وقد ذكرنا هناك حديث الشعبي ، عن جابر ، في هذا المعنى ، حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال حدثني : يحيى بن موسى ، قال : حدثني أبو أسامة ، قال : أخبرنا مجالد ، عن عامر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاءت يهود بامرأة ورجل منهم زنيا ؛ فقال : " ائتوني بأعلم رجلين منكم " . فأتوه بابني صوريا ، فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ قالا : نجد في التوراة : إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، رجما . قال : فما منعكما أن ترجماهما ؟ . قال : ذهب سلطاننا ، فكرهنا القتل ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود ، فجاء أربعة ، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها ، كالميل في المكحلة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجمهما .

35168 - قال أبو عمر : يحتمل أن يكون الشهود مسلمين ، وهو الأظهر في هذا الخبر ، ولذلك تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم .

[ ص: 21 ] 35169 - وروى شريك ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديا ويهودية .

35170 - انفرد به شريك ، عن سماك .

35171 - وأخبرنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا الحسن بن إسماعيل ، قال : حدثني عبد الملك بن محمد ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل السائغ ، قال : حدثني سنيد ، عن هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي ؛ وإن حكمت بينهم ، فاحكم بالقسط ، يعني بالرجم .

التالي السابق


الخدمات العلمية