الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1556 1530 - مالك عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ؛ أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ! اقض بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر ، وهو أفقههما : أجل ، يا رسول الله ! فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم قال : " تكلم " فقال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، فأخبرني أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني : أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأخبروني أنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله : " أما والذي نفسي بيده [ ص: 42 ] لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد عليك " ، وجلد ابنه مائة ، وغربه عاما ، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر ، فإن اعترفت ، رجمها ، فاعترفت ، فرجمها .

[ ص: 43 ] 35263 - قال مالك : والعسيف الأجير .


35264 - قال أبو عمر : قد ذكرنا الاختلاف على مالك ، والاختلاف على ابن شهاب ، في إسناده حديث هذا الباب ، وذكرنا من جمع فيه مع أبي هريرة ، زيد بن [ ص: 44 ] خالد ، ومن رواه فجعله بهذا الإسناد ، عن زيد بن خالد خاصة ، ومن جعله عن أبي هريرة خاصة ، ومن اختصر وجعله عن زيد .

35265 - وأما من جعله عن أبي هريرة ، فكلهم أتى به بكماله .

35266 - وذكرنا أن ابن عيينة ذكر فيه مع أبي هريرة وزيد بن خالد شبلا ، فأخطأ فيه ؛ لأن شبلا إنما ذكره ابن شهاب ، في حديث الأمة إذا زنت ، ولم تحصن .

35267 - وقد أوضحنا ذلك كله ، عن الرواة ، في " التمهيد " ، والحمد لله كثيرا .

35268 - قال أبو عمر : لم يذكر في هذا الحديث ، إقرار الزاني بالزنا ، وهو قول عقله الراوي ؛ إذ عول في تركه ، على علم العامة فضلا عن الخاصة ، أنه لا يؤخذ أحد بإقرار أبيه عليه ، ولا إقرار غيره ، والذي تشهد له الأصول أن الابن كان حاضرا ، فصدق أباه فيما قال عليه ، ونسب إليه ، ولولا ذلك ، ما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حدا بقول أبيه ؛ لقول الله عز وجل : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) [ الأنعام : 164 ] .

35269 - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي زمعة ، في ابنه : " إنك لا تجني عليه ، ولا يجني عليك " .

[ ص: 45 ] 35270 - وفي هذا الحديث دروب من العلم :

35271 - منها : أن أولى الناس بالقضاء بينهم ، الخليفة ؛ إذا كان عالما بوجوه القضاء .

35272 - ومنها أن المدعي ، أولى بالقول ، وأحق أن يتقدم بالكلام .

35273 - ومنها ، أن الباطل من القضاء مردود أبدا ، وأن ما خالف السنة باطل ، لا ينفذ ، ولا يمضي .

35274 - ومنها ، أن ما قبضه الذي يقضي به ، وكان القضاء خطأ ، مخالفا للسنة المجتمع عليها ، لا يدخله قبضه له في ملكه ، ولا يصح ذلك له .

35275 - وفيه : أن العالم يفتي في مصر فيه من هو أعلم منها .

35276 - ألا ترى أن الصحابة ، كانوا يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

35277 - وروي عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، أنه سئل عن من كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبو بكر ، وعمر ولا أعلم غيرهما .

35278 - وقال القاسم بن محمد : كان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، يفتون ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

35279 - روى موسى بن ميسرة ، عن محمد بن سهل أبي حثمة ، عن أبيه قال : كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين : عمر ، وعثمان ، وعلي ، وثلاثة من الأنصار ؛ أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت . [ ص: 46 ] 35280 - وروى الفضيل بن أبي عبد الله ، عن عبد الله بن دينار الأسلمي ، عن أبيه ، قال : كان عبد الرحمن بن عوف ، ممن يفتي في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

35281 - وذكر الواقدي ، قال : حدثني أيوب بن النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، عن جده ، عن كعب بن مالك ، قال : كان معاذ بن جبل ، يفتي في المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر .

35282 - وكان عمر بن الخطاب يقول : إن خرج معاذ إلى الشام ، لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها ، فيما كان يفتيهم ، ولقد كنت كلمت أبا بكر أن يحبسه ؛ لحاجة الناس إليه ، فأبى علي ، وقال : رجل أراد وجها ، يعني الشهادة ، لا أحبسه . فقلت : إن الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه ، في عظيم عنائه عن أهل مصره .

35283 - قال الواقدي : قال : وحدثني موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه قال : خطب عمر بالجابية ، فقال : من أراد أن يسأل عن الفقه ، فليأت معاذ بن جبل .

35284 - وأما قوله في هذا الكتاب : لأقضين بينكما بكتاب الله ، فلأهل العلم في ذلك قولان :

35285 - ( أحدهما ) : أن الرجم في كتاب الله ، على مذهب من قال : إن من القرآن ما نسخ خطه ، وثبت حكمه ، وقد أجمعوا أن من القرآن ما نسخ حكمه ، وثبت [ ص: 47 ] خطه ، وهذا في القياس مثله .

35286 - وقد ذكرنا هذا المعنى ، في كتاب الصلاة ، عند قوله : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) [ البقرة : 238 ] وصلاة العصر ، ( وقوموا لله قانتين ) [ البقرة : 238 ] .

35287 - ومن ذهب هذا المذهب ، احتج بقول عمرو : الرجم في كتاب الله حق على من زنى ؛ من الرجال ، والنساء ، إذا أحصن .

24288 - وقوله : لولا أن يقال : إن عمر زاد في كتاب الله ؛ لكتبتها : الشيخ والشيخة إذا زنيا ، فارجموهما ألبتة ، فإنا قد قرأناها .

35289 - وسنذكر ما للعلماء في قول عمر هذا ، من التأويل ، في موضوعه من هذا الباب ، إن شاء الله عز وجل .

35290 - ومن حجته أيضا ؛ ظاهر هذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لأقضين بكتاب الله " . ثم قال لأنيس : " لئن اعترفت امرأة هذا ، فارجمها " ، فرجمها .

35291 - والقول الآخر أن معنى قوله عليه السلام : " لأقضين بينكما بكتاب الله ، ولأحكمن بينكما بحكم الله ، ولأقضين بينكما بقضاء الله " .

35292 - وهذا جائز في اللغة .

قال الله عز وجل : ( كتاب الله عليكم ) [ النساء : 24 ] أي : حكمه فيكم ، وقضاؤه عليكم .

35293 - على أن كل ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حكم الله - عز وجل - وقد [ ص: 48 ] أوضحنا هذا المعنى في " التمهيد " .

35294 - ومنه قول علي - رضي الله عنه - في شراحة الهمذانية : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

35295 - وقد تطلق على السنة : التلاوة بظاهر قول الله تعالى : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) [ الأحزاب : 34 ] قالوا : القرآن والسنة .

35296 - وفيه أن الزاني ، إذا لم يحصن ، حده الجلد دون الرجم ، وهذا ما لا خلاف بين أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

35297 - قال الله عز وجل : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ النور : 2 ] .

35298 - وأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب .

35299 - وأجمع الجمهور من فقهاء المسلمين ، أهل الفقه والأثر ، من لدن الصحابة ، إلى يومنا هذا ، أن المحصن من الزناة ، حده الرجم ، واختلفوا هل عليه مع ذلك جلد ، أم لا ؟ .

35300 - فقال أكثرهم : لا جلد على المحصن ، إنما عليه الرجم فقط .

35301 - ومن حجتهم في هذا الحديث : " فإن اعترفت ، فارجمها " . ولم يقل : اجلدها ، ثم ارجمها .

[ ص: 49 ] 35302 - وممن قال ذلك : مالك وأبو حنيفة ، والشافعي وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، والحسن بن صالح ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، والطبري ، كل هؤلاء يقول : لا يجتمع جلد ورجم .

35303 - وقال الحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي : الزاني المحصن ، يجلد ، ثم يرجم .

35304 - وحجتهم عموم الآية في الزناة ، في قوله تعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ النور : 2 ] ، فعم الزناة ، ولم يخص محصنا من غير محصن .

35305 - وحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " خذوا عني ، لقد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة ، ونفي عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ، والرجم بالحجارة " .

[ ص: 50 ] 35306 - وحديث علي - رضي الله عنه - في رجم شراحة الهمذانية ، بعد جلده لها .

35307 - وروى أبو حصين ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وعلقمة بن مرثد ، عن الشعبي ، بمعنى واحد ، قال أتي علي بزانية ، فجلدها يوم الخميس ، ورجمها يوم الجمعة ، ثم قال : الرجم رجمان : رجم سر ، ورجم علانية ، فأما رجم العلانية ؛ فالشهود ثم الإمام ثم الناس ، وأما رجم السر فالاعتراف ؛ فالإمام ، ثم الناس .

35308 - وحجة الجمهور ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا الأسلمي ، ورجم اليهوديين ، ورجم امرأة من جهينة ، وامرأة من عامر ، ولم يجلد واحدا منهم ، وقد ذكرنا الآثار بذلك في " التمهيد " ، فدل ذلك على أن الآية قصد بها من لم يحصن من الزناة .

35309 - ورجم أبو بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - ولم يجلدا .

35310 - ومن أوضح شيء في هذا المعنى وأصحه ، حديث ابن شهاب في هذا الباب ؛ وفيه أنه جلد البكر ، وغربه عاما ، ورجم المرأة ، ولو جلد لنقل ذلك كما نقل أنه رجمها ، وكانت ثيبا .

35311 - وهذا كله يدل على أن [ حديث ] عبادة منسوخ ؛ لأنه كان في حين [ ص: 51 ] نزول الآية في الزناة وذلك أن الزناة ، كانت عقوبتهم إذا شهد عليهم أربعة من العدول ، أن يمسكوا في البيوت إلى الموت ، أو يجعل الله لهن سبيلا ، فلما نزلت آية الجلد ، التي في سورة النور ، قام صلى الله عليه وسلم ، فقال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا " ( الحديث ) كما ذكرناه من حديث عبادة ، فكان هذا في أول الأمر ، ثم رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة ولم يجلد مع الرجم ، فعلمنا أن هذا حكم أحدثه الله تعالى ، نسخ به ما قبله .

35312 - ومثل هذا كثير في أحكامه عز وجل ، وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليبتلي عباده ، وإنما يؤخذ بالأحدث ، فالأحدث من أمره صلى الله عليه وسلم .

35313 - ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، أنه كان ينكر الجلد مع الرجم ويقول : رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يجلد .

35314 - وعن الثوري ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال ليس على المرجوم جلد ، بلغنا أن عمر رجم ، ولم يجلد .

35315 - قال أبو عمر : قد ذكرنا عن عمر - رضي الله عنه - أنه رجم ، ولم يجلد ، آثارا كثيرة في " التمهيد " .

[ ص: 52 ] 35316 - وفي هذه المسألة قول ثالث ؛ وهو أن الثيب من الزناة ، إن كان شابا ، رجم ، وإن كان شيخا ، جلد ورجم .

35317 - وقاله مسروق ، وقالت به فرقة من أهل الحديث .

35318 - وهو قول ضعيف ، لا أصل له ، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك عن مسروق في " التمهيد " .

35319 - فهذا ما للجماعة ، أهل السنة من الأقاويل ، في هذا الباب .

35320 - وأما أهل البدع والخوارج منهم ، ومن جرى مجراهم من المعتزلة ، فإنهم لا يرون الرجم على زان محصن ، ولا غير محصن ، ولا يرون على الزناة إلا الجلد ، وليس عند أحد من أهل العلم ، ممن يعرج على قولهم ، ولا يعدون خلافا .

35321 - وروى حماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وهشيم ، والمبارك بن فضالة وأشعث ، كلهم عن علي بن زيد ، وحماد بن سلمة ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : أيها الناس ، إن الرجم [ ص: 53 ] حق ، فلا تخدعن عنه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ، وكذلك أبو بكر ، ورجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ، وبالدجال ، وبطلوع الشمس من مغربها ، وبعذاب القبر ، وبالشفاعة ، وبقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا .

35322 - قال أبو عمر : الخوارج ، والمعتزلة ، يكذبون بهذا كله ، عصمنا الله من الضلال برحمته .

35323 - وأما قوله : وجلد ابنه مائة ، وغربه عاما ، فلا خلاف بين علماء المسلمين أن ابنه كان بكرا ، وأن الجلد حد البكر ، مائة جلدة ، واختلفوا في التغريب .

[ ص: 54 ] 35324 - فقال مالك : ينفى الرجل ، ولا تنفى المرأة ، ولا العبد ، ومن نفي ، حبس في الموضع الذي نفي إليه .

35325 - وقال الأوزاعي : لا تنفى المرأة ، وينفى الرجل .

35326 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا نفي على زان ، وإنما عليه الحد ، رجلا كان أو امرأة ، حرا كان أو عبدا .

35327 - وقال مالك ، والشافعي وأصحابه ، والحسن بن حي : ينفى الزاني ، إذا جلد الحد ، رجلا كان أو امرأة ، حرا كان أو عبدا .

35328 - واختلف قول الشافعي ، في نفي العبيد ؛

35329 - فقال مرة : أستخير الله في نفي العبيد .

35330 - وقال مرة : ينفى العبد نصف سنة .

35331 - وقال مرة أخرى : سنة إلى غير بلده .

35332 - وبه قال الطبري .

35333 - قال أبو عمر : من حجة من غرب الزناة ، مع حديثنا هذا وقوله فيه : وجلد ابنه مائة ، وغربه عاما : حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قاله : " البكر [ ص: 55 ] بالبكر ، جلد مائة ، وتغريب عام " . لم يخص عبدا من حر .

35334 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني أحمد بن زهير ، وبكر بن حماد ، قال أحمد : حدثني أبي ، وقال بكر : حدثني مسدد ، قال حدثني يحيى القطان ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن بن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ؛ الثيب جلد مائة ، ورجم بالحجارة ، والبكر جلد مائة ، ثم نفي سنة " .

35335 - وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ضرب ، وغرب ، وأن أبا بكر ضرب وغرب ، وأن عمر ضرب وغرب ، وقد ذكرت إسناده في " التمهيد " .

35336 - وحجة من لم ير النفي على العبيد ، حديث أبي هريرة ، في الأمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكر فيه الحد ، دون النفي .

35337 - ومن رأى نفي العبيد ، زعم أن حديث الأمة ، معناه التأديب لا الحد .

38338 - وحجة من لم ير نفي النساء ، ما يخشى عليهن من الفتنة .

35339 - وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه لم ير نفي النساء .

35340 - ومن حجة من لم ير النفي على الزاني ، ذكرا ولا أنثى ، حرا ولا عبدا ، [ ص: 56 ] أن الله - عز وجل - ذكر الجلد ، ولم يذكر نفيا .

35341 - وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وغيره .

35342 - ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : غرب عمر بن الخطاب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر ، إلى خيبر ، فلحق بهن ، قال : وقال عمر : لا أغرب مسلما بعدها أبدا .

35343 - قال : ولو كان النفي حدا ما تركه عمر .

35344 - قال أبو عمر : يحتمل أن يكون عمر قال ذلك في حد الخمر ؛ لأنه مأخوذ اجتهادا ، وقد صح عنه أنه نفى في الزنا من طرق شتى .

35345 - وروى عبد الرزاق ، عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قد قال عبد الله بن مسعود ، في البكر يزني بالبكر : يجلدان مائة ، وينفيان سنة .

35346 - قال : فقال علي : حسبهما من الفتنة أن ينفيا .

35347 - قال أبو عمر : قد ثبت عن أبي بكر ، وعمر ، وعلي - رضي الله عنهم - أنهم غربوا ونفوا في الزنا ، بأسانيد أحسن من التي ذكرها الكوفيون

35348 - منها ما رواه عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب ، وأن أبا بكر ضرب ، وغرب ، وأن عمر ضرب وغرب .

[ ص: 57 ] 35349 - إلا أنه قد اختلف في إسناد هذا الحديث ، فاضطرب في رفعه واتصاله .

35350 - وروى أيوب ، وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر نفى إلى فدك .

35351 - وعن الثوري ، عن أبي إسحاق أن عليا ، نفى من الكوفة إلى البصرة .

35352 - وقال معمر ، وابن جريج : سئل ابن شهاب : إلى كم ينفى الزاني ؟ . فقال : عمر نفاه من المدينة إلى البصرة ، ومن المدينة إلى خيبر .

35353 - وقال ابن جريج : قلت لعطاء : نفى من مكة إلى الطائف ؟ قال : حسبه ذلك .

35354 - وفي الحديث أيضا قوله : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته . وهذا قذف منه للمرأة ، إلا أنها لما اعترفت بالزنا سقط حكم قذفها .

35355 - وقد اختلف قول العلماء فيمن أقر بالزنا بامرأة بعينها ، وجحدت : [ ص: 58 ] 35356 - فقال مالك : يقام عليه حد الزنا ، وإن طلبت حد القذف ، أقيم عليه أيضا .

35357 - قال : وكذلك لو قالت : زنى بي فلان . وجحد ، حدت للقذف ، ثم للزنى .

35358 - وبهذا قال الطبري .

35359 - وقال أبو حنيفة : لا حد عليه للزنا ، وعليه حد القذف ، ولها مثل ذلك ، إن قالت مثل ذلك ؛ لأنه لا يجتمع عنده الحدان .

35360 - وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : لا يحد من أقر منهما للزنا فقط ؛ لأنا قد أحطنا علما أنه لا يجب عليه الحدان جميعا ؛ لأنه إن كان زانيا ، فلا حد على قاذفه ، فإذا أقيم عليه حد الزنا ، لم يقم عليه حد القذف .

35361 - وقال الأوزاعي : يحد للقذف ، ولا يحد للزنا .

35362 - وقال ابن أبي ليلى : إذا أقر هو بالزنا ، وجحدت هي ، جلد ، وإن كان محصنا ، لم يرجم .

35363 - وفي هذا الحديث أيضا أن للإمام أن يسأل المقذوف ، فإن اعترف ، أقام عليه الواجب ، وإن لم يعترف ، وطلب القاذف ، أخذ له بحده .

35365 - وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء :

35365 - فقال فيه مالك : لا يحد الإمام القاذف ، حتى يطالبه المقذوف ، إلا أن يكون الإمام سمعه ، فيحده إن كان معه شهود غيره عدول .

35366 - قال : ولو أن الإمام ، شهد عنده شهود عدول ، على قاذف لم يقم الحد [ ص: 59 ] حتى يرسل إلى المقذوف ، وينظر ما يقول ، لعله يريد سترا على نفسه .

35367 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والأوزاعي ، والشافعي : لا يحد القاذف إلا بمطالبة المقذوف .

35368 - وأما قوله : " واغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها " . فإنه أقامه مقام نفسه في ذلك ، وسبيله فيما أمره به سبيل الوكيل ، ينفذ لما أمره به موكله .

35369 - وفي هذا الحديث معان قد ذكرتها في " التمهيد " وذكرت وجه كل معنى منها ، وموضع استنباطه من الحديث ، لم أر لذكرها هاهنا وجها ؛ لأن كتابي هاهنا ، لم يكن الغرض فيه والمقصد إلا إيراد ما اختلف فيه العلماء من المعاني التي رسمها الموطأ .

35370 - وأما ‌‌قول مالك : العسيف الأجير ، فهو كما قال ، عند أهل العلم باللغة ، في معنى هذا الحديث ، وقد يكون العسيف العبد ، ويكون السائل .

35371 - قال المرار الجلي ، يصف كلبا :

ألف الناس فما ينبحهم من عسيف يبتغي الخير وحر .

[ ص: 60 ] 35372 - يعني : من عبد ، وحر .

35373 - وقال أبو عمرو الشيباني ، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن قتل العسفاء ، والوصفاء ، في سرية بعثها .

قال : العسفاء : الأجراء .

35374 - هو كما قال مالك ، رحمه الله .

35375 - وقال أبو عبيد : وقد يكون العسيف الأسيف ، وهو الحزين .

التالي السابق


الخدمات العلمية