الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1600 [ ص: 321 ] 1577 - مالك ، عن داود بن الحصين ، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ؛ أنه أخبره عن محمود بن لبيد الأنصاري ؛ أن عمر بن الخطاب - حين قدم الشام - شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها ، وقالوا : لا يصلحنا إلا هذا الشراب ، فقال عمر : اشربوا هذا العسل قالوا : لا يصلحنا العسل ، فقال رجل من أهل الأرض : هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر ؟ قال : نعم ، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث ، فأتوا به عمر ، فأدخل فيه عمر إصبعه ، ثم رفع يده فتبعها يتمطط ، فقال : هذا الطلاء ، هذا مثل طلاء الإبل ، فأمرهم عمر أن يشربوه ، فقال له عبادة بن الصامت : أحللتها والله ، فقال عمر : كلا والله ، اللهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ، ولا أحرم عليهم شيئا أحللته لهم .


36552 - قال أبو عمر : قول عبادة لعمر في الطلاء المذكور في هذا الحديث : أحللتها لهم ، يعني الخمر ، لم يرد به ذلك الطلاء بعينه ، ولكنه أراد أنهم يستحلونها فضيخا دون ذلك الطبخ ، ويعتلون بأن عمر أباح المطبوخ منها .

36553 - كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ستستحل أمتي الخمر ، فإنهم [ ص: 322 ] يسمونها غير اسمها " .

36554 - ونحو هذا كما قال الشاعر :


هي الخمر تكنى الطلا كما الذئب يكنى أبا جعدة

.

36555 - حدثنا سعيد ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو بكر ، قال : حدثني عبيد الله بن موسى ، عن سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى ، عن أبي بكر بن حفص ، عن ابن محيريز بن السمط ، عن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليستحلن آخر أمتي الخمر باسم يسمونها " .

36556 - وحدثني سعيد ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو بكر ، قال حدثني زيد بن الحباب ، عن معاوية بن صالح ، قال : حدثني حاتم بن حريث ، عن مالك بن أبي مريم ، قال : تذاكرنا الطلاء ، فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم ، فذاكرناه ، فقال : حدثني أبو مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليشرب ناس من أمتي الخمر ، يسمونها بغير اسمها ، يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله عز وجل بهم الأرض ، ويجعل منهم [ ص: 323 ] القردة والخنازير " .

36557 - قال أبو عمر : الدليل على صحة ما تأولناه في قول عبادة ، أنه لم يرد ذلك النوع من الطلاء ؛ لأني لا أعلم خلافا بين الفقهاء في جواز شرب العصير ؛ إذا طبخ وذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه .

36558 - والكثير يقول : إنه لا يسكر الكثير منه ، وإن أسكر منه الكثير ، فالأصل ما قدمت لك في الخمر ، قليلها وكثيرها ، واختلافهم إنما هو في غيرها .

36559 - ألا ترى إلى حديث عمر - رضي الله عنه - في هذا الباب ، إنما قال القائل : نصنع لك من هذا الشراب شرابا يسكر .

36560 - فعلى هذا الشرط أباح لهم ذلك الطلاء ، وهو يسكر أبدا ، وهو الرب عندنا .

36561 - وفي خبر عمر هذا دليل على أن كل ما صنع من العصير وبالعصير - فحال بينه وبين أن يسكر - فهو حلال لا بأس به ، والله عز وجل أعلم .

[ ص: 324 ] 36562 - ذكر أبو بكر ، قال : حدثني علي بن مسهر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن أبا عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وأبا طلحة كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه .

36563 - قال : وحدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن داود بن أبي هند ، قال : سألت سعيد بن المسيب عن الشراب الذي كان عمر بن الخطاب أحله للناس ، فقال : هو الطلاء الذي ذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه .

36564 - قال : وحدثني وكيع ، عن الأعمش ، عن ميمون ، عن أم الدرداء ، قالت : إني كنت أطبخ لأبي الدرداء الطلاء ، حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه فيشربه .

36565 - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه كان يرزق الناس من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه .

36566 - وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن ؛ قال : كان علي - رضي الله عنه - يرزقنا الطلاء ، [ ص: 325 ] فقلت : ما هيئته ؟ قال : أسود ، يأخذه أحدنا بأصبعه .

36567 - قال أبو عمر : هذا ما لا خلاف فيه .

36568 - واختلفوا في النصف .

36569 - فكرهه سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعكرمة .

36570 - وروي عن أبي أمامة الباهلي كراهية النصف ، وجماعة من العلماء .

36571 - ورويت الرخصة في شرب النصف بالطبخ من العصير .

36572 - وعن البراء بن عازب ، وأبي جحيفة ، وأنس بن مالك ، وابن الحنفية ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وشريح ، وعبد الرحمن بن أبزى ، والحكم بن عتيبة ، وقيس بن أبي حازم ، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وإبراهيم النخعي ، ويحيى بن دثار ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم .

36573 - ومعلوم أن أحدا منهم لا يشرب من ذلك ما يسكر ؛ لأنهم قد أجمعوا أن قليل الخمر وكثيرها حرام .

36574 - وقد قال ابن عباس : إن النار لا تحل شيئا ، ولا تحرمه .

36575 - فدل ذلك على أن النصف لا يسكر كثيره ، وهذا بين واضح لكل [ ص: 326 ] ذي لب وفهم ، إلا أن النصف قد كرهه قوم كما ذكرنا ، وذلك - والله أعلم - لما خافوا منه ، فتورعوا عنه .

36576 - وقد حمد الناس التارك لما ليس به بأس مخافة البأس ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية