الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1671 1672 - مالك : عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ، ما لم يكن إثما . فإن كان إثما ، كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ، إلا أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله بها .


38899 - قال أبو عمر : دين الله يسر ، والحنيفية سمحة ، وقال الله - عز وجل - : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " [ البقرة : 185 ] .

38900 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من يسر على مسلم ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر على مسلم ، ستر الله عليه في الدنيا والآخرة " .

[ ص: 117 ] 38901 - وأما أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يحصى الحسن منها كثرة ، ولو أفرد لها كتاب ، لقصر عنها ، ويكفي من ذلك قول الله - عز وجل - : " وإنك لعلى خلق عظيم " . [ القلم : 4 ] وقوله تعالى : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " [ الأعراف : 199 ] .

38902 - وهذا الحديث قد رواه الفضل بن عياض ، عن منصور ، عن الزهري ، بألفاظ أتم من ألفاظ مالك - رحمه الله .

38903 - حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا ، حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثني محمد بن إسماعيل قال : حدثني الحميدي قال : حدثني الفضيل بن عياض ، عن منصور بن المعتمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتصرا من مظلمة ظلمها قط ، ما لم ينتهك من محارم الله شيء ، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك غضبا ، وما خير بين أمرين ، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما .

38904 - وحدثني عبد الوارث قال : حدثني قاسم قال : حدثني بكر بن حماد قال : حدثني مسدد قال : حدثني يزيد بن زريع قال : حدثني معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا ضرب خادما ولا امرأة قط ، ولا خير في أمرين [ ص: 118 ] إلا كان أيسرهما أحب إليه ، ما لم يكن الإثم ، فإذا كان إثما ، كان أبعدهم منه ، وما انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه ، إلا أن ينتهك من حرمات الله ، فيكون ينتقم لله .

38905 - وهذا الحديث يدل ويندب الأمراء وسائر الحكام والعلماء ، إلا أنه ينبغي لكل واحد منهم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه تأسيا بنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ينس الفضل والأخذ به في العفو عمن ظلمه .

38906 - وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه .

38907 - وأجمع الجمهور من الفقهاء أن القاضي لا يقضي لمن لا تجوز له شهادته من بنيه وآبائه .

38908 - وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الأخذ برخصة الله أولى لذوي [ ص: 119 ] العلم والحجا من الأخذ بالشدة ، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يحب أن ينتهى عن محارمه ، وتجتنب عزائمه .

38909 - وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال : حدثني سعيد بن أحمد بن عبد ربه ، وأحمد بن مطرف قالا : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : حدثني سفيان بن عيينة ، عن معمر قال : إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة ، وأما التشديد فيحسنه كل أحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية