الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1679 1680 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعه فإن الحياء من الإيمان " .


38956 - هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة مالك في " الموطأ " وغيره ، لم يزيدوا شيئا في لفظه ، ولا اختلفوا في إسناده .

38957 - وأخطأ في إسناده جويرية عن مالك ، بما قد ذكرناه في كتاب [ ص: 131 ] " التمهيد " .

38958 - وكذلك رواه ابن عيينة وغيره ، عن ابن شهاب كما في " الموطأ " .

38959 - وقد زاد فيه عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره ألفاظا حسانا .

38960 - حدثنا أحمد بن فتح قال : حدثنا علي بن فارس بن شجاع البغدادي أبو العباس بمصر قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح قال : حدثنا بشر بن الوليد الكندي قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعاتب أخاه في الحياء يقول : إنك تستحي حتى إنه قد أضر بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعه ، فإن الحياء من الإيمان " .

38961 - ومعنى هذا الحديث ، والله أعلم ، أن الحياء لما كان يمنع من كثير من الفحش والفواحش ، ويحمل على كثير من أعمال البر والخير ، صار كالإيمان مضارعا لأنه يساويه في بعض معانيه ، لأن الإيمان شأنه منع صاحبه من كل ما حرم عليه ، إذا صاحبه التوفيق ، فهو مقيد بالإيمان ، يردعه عن الكذب والفجور والآثام ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن " .

[ ص: 132 ] 38962 - والفتك : القتل بعد الأمان ، والغدر بعد التأمين .

38963 - فلما كان الحياء والإيمان سببين إلى فعل الخير ، جعل الحياء شعبة من الإيمان لأنه مثل الإيمان من ارتكاب ما لا يحل ، وما يعد من الفحش والفواحش ، وإن كان الحياء غريزة ، والإيمان فعل المؤمن الموفق له .

38964 - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " .

38965 - رواه عبد الله بن دينار ، وسهيل بن أبي صالح جميعا عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

38966 - وقد ذكرنا طرق أسانيدهما في " التمهيد " .

38967 - وللإيمان أصول وفروع فمن أصوله الإقرار باللسان ، مع اعتقاد القلب بما نطق به اللسان من الشهادة بأن لا إله إلا الله ، وأنمحمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به عن ربه حق من البعث بعد الموت ، والإيمان بملائكة الله ، وكتبه ، ورسله ، وكل ما أحكمه الله في كتابه ، ونقلته الكافة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من [ ص: 133 ] الصلاة والزكاة ، والصيام ، والحج ، وسائر الفرائض بعد هذا .

38968 - فكل عمل صالح ، فهو من فروع الإيمان فبر الوالدين من الإيمان ، وأداء الأمانة من الإيمان ، وحسن العهد من الإيمان ، وحسن الجوار من الإيمان ، وتوقير الكبير من الإيمان ، ورحمة الصغير حتى إطعام الطعام ، وإفشاء السلام من الإيمان .

38969 - فهذه الفروع من ترك شيئا منها ، لم يكن ناقص الإيمان [ بتركه ، كما يكون ناقص ] [ الإيمان ] بارتكاب الكبائر وترك عمل الفرائض وإن كان مقرا بها .

38970 - وتلخيص هذا يطول ، ولا سبيل إلى إيراده في هذا الموضع .

38971 - وقد ذكرنا من ذلك في " التمهيد " ما فيه شفاء ، والحمد لله كثيرا .

38972 - وهذا كله يدل على أن الإيمان قول وعمل ، كما قال جمهور أهل العلم بالفقه والحديث ، وقد ذكرنا لهم ولسائر فرق الإسلام من التنازع في معنى الإيمان والإسلام أيضا ، وما نزعت به كل فرقة فيما ذهبت إليه من ذلك وفي باب ابن شهاب ، عن سالم ، من كتابي " التمهيد " ، وذكرنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المرفوعة في معنى الإيمان ، عن السلف أيضا ما وصل إلينا من ذلك في الباب المذكور [ ص: 134 ] في " التمهيد " والحمد لله .

38973 - حدثني أحمد بن فتح قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم قال : حدثني أحمد بن خالد قال حدثني عبيد الكشوري بصنعاء قال حدثني سلمة بن شبيب - قال أحمد بن خالد : وحدثنا عيسى بن محمد الكشوري قال : حدثني محمد بن يزيد قالا : سمعنا عبد الرزاق يقول : سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ، ومعمر بن راشد ، ومالك بن أنس ، وابن جريج ، وسفيان بن عيينة ، وعبيد الله بن عمر ، والأوزاعي ، يقولون : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص : فقلنا لعبد الرزاق : فما تقول أنت ؟ قال : أقول كما قالوا ، وإن لم أقل ذلك ، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين .

38974 - قال عبد الرزاق : وكان معمر ، ومالك ، وابن جريج ، وسفيان الثوري ، يكرهون أن يقولوا : أنا مستكمل الإيمان على إيمان جبريل وميكائيل .

38975 - وقد ذكرنا في " التمهيد " حديث مبارك بن حسان قال : قلت لعطاء بن أبي رباح إن في المسجد عمر بن ذر ، ومسلما التحات ، وسالما الأفطس ، يقولون : من زنى وسرق وشرب الخمر ، وقذف المحصنات وأكل الربا ، [ ص: 135 ] وعمل المعاصي ، أنه مؤمن كإيمان البر التقي الذي لم يعص الله .

38976 - فقال عطاء : أبلغهم ما حدثني أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتل القاتل حين يقتل وهو مؤمن ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " .

38977 - قال : فذكرت ذلك لسالم الأفطس وأصحابه ، فقالوا : وأين حديث [ ص: 136 ] أبي الدرداء : " وإن زنى وإن سرق " .

38978 - فذكرت ذلك لعطاء ، فقال : كان هذا ثم نزلت الأحكام والحدود بعد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له " .

38979 - وقال : " لا يفتك مؤمن " .

38980 - قال أبو عمر : حديث أبي الدرداء حديث حسن ، روي عنه من وجوه منها ما :

38981 - قرأته على أبي عثمان سعيد بن نصر قال : حدثني قاسم بن أصبغ قال : حدثني محمد بن وضاح قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثني الحسن بن موسى الأشيب قال : حدثني حماد بن سلمة ، عن الجريري ، عن محمد بن سعد بن مالك ، أن أبا الدرداء ، كان إذا قرأ هذه الآية : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46 ] قال : وإن زنى وإن سرق . وقال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال : " وإن زنى ، وإن سرق " قال قلت وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال : وإن زنى ، وإن سرق قال : قلت : وإن زنى وإن [ ص: 137 ] سرق ؟ قال : " نعم ، وإن رغم أنف أبي الدرداء . " .

38982 - قال : حدثني عبد الوارث قال : حدثني قاسم قال : حدثني أحمد بن زهير قال : حدثني أبي قال : حدثني جرير بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السائب قال : سأل هشام بن عبد الملك الزهري قال : حدثني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق " ؟ .

38983 - فقال الزهري : أين يذهب بك يا أمير المؤمنين : كان هذا قبل الأمر والنهي .

38984 - قال أبو عمر : قد ذكرنا في " التمهيد " حديث أبي بكرة ، وحديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " الحياء من الإيمان " ، كحديث ابن عمر . وقد ذكرنا حديث عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحياء خير كله " .

[ ص: 138 ] 38985 - وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثني أحمد بن زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي [ ببيت المقدس ] قال : حدثني محمد بن حماد الطهراني قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه ، ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه " .

38986 - وأخبرنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا [ أحمد ] بن الفضل قال : حدثني الحسن بن علي العدوي قال : حدثني خراش قال : حدثني أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما ينزع الله من العبد الحياء ، فيصير ممقوتا ، ثم ينزع الله منه الأمانة ، فيصير خائنا مخونا ، ثم ينزع منه الرحمة ، فيصير فظا غليظا ، ويخلع ربقة الإسلام من عنقه ، فيصير شيطانا لعينا " .

38987 - قال أبو عمر : هذا إسناد ضعيف ، وخراش هذا مجهول ، والحديث بهذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه ، والقطعة التي بهذا الإسناد كلها لا يشتغل أهل العلم بها منكرة عندهم موضوعة . والله أعلم .

[ ص: 139 ] 38988 - وقد روي هذا الحديث من قول سلمان الفارسي ، من رواية زاذان عنه قال : إذا أراد الله بعبد شرا أو هلكة ، نزع منه الحياء ، فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، وإذا كان كذلك ، نزعت منه الرحمة ، فلم تلقه إلا فظا غليظا ، فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة ، فلم تلقه إلا خائنا [ مخونا ] ، فإذا كان كذلك نزعت ربقة الإسلام من عنقه ، فكان لعينا ملعونا .

التالي السابق


الخدمات العلمية