الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1716 1717 - مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف كافر ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ، فحلبت فشرب حلابها ، ثم أخرى فشربه ، ثم أخرى فشربه ، حتى شرب حلاب سبع شياه ، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ، فحلبت فشرب حلابها ، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يشرب في معى واحد ، والكافر يشرب في سبعة أمعاء " .


39553 - قال أبو عمر : هذا الحديث ليس على ظاهره لأن المشاهدة تدفعه ، والمعاينة ترده ، والخبر يشهد بأن الكافر يسلم وأكله كما كان ، وشربه وقد نزه الله [ ص: 264 ] رسوله عن أن يخبر بخبر فيؤخذ المخبر عنه على خلاف ذلك ، هذا ما لا يشك فيه [ مؤمن ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن ذلك الضيف بخبر كان على ما أخبر لا شك فيه ] كأنه قال : هذا الضيف إذ كان كافرا ، أكل في سبعة أمعاء ، فلما أسلم بورك له في إسلامه ، فأكل في معى واحد ، يريد أنه كان أكله عنده قبل أن يسلم سبعة أمثال ما أكل عنده لما أسلم إما لبركة التسمية التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشبعه الله - عز وجل - ، بحلاب تلك الشاة وما وضع له فيها من البركة ما يكون له برهانا وآية ليرسخ الإيمان في نفسه ، وذلك - والله أعلم - لما علم الله تعالى من قلة الطعام يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولتكون آية لذلك الرجل ، فأراه الله في نفسه آية في إيمانه ليزداد يقينا ، ونحو هذا مما يعلم من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا في بركة الطعام الذي أكل منه العدد الكثير ، فشبعوا ، وهو قوت واحد أو اثنين ، وآياته وعلاماته في مثل ذلك كثيرة ، قد ذكرنا منها في مواضع من " التمهيد " ما يشفي الناظر ، ويزيد في يقين المؤمن ، - والحمد لله كثيرا .

39554 - وهذا كله يدل على أن لفظ هذا الحديث خرج مخرج العموم ، ومعناه الخصوص ، وهو [ موجود ] في لغة العرب قال الله - عز وجل - ( الذين قال لهم الناس ( [ آل عمران : 173 ] .

39555 - ومعلوم أن الناس كلهم ( قد جمعوا لكم ( [ 173 : آل عمران ] .

[ ص: 265 ] 39556 - وقد قيل إن المخبر القائل ذلك القول ، كان رجلا واحدا .

39557 - وقد يسمع السامع قولا فيتناوله على العموم ، ولم يرد به المخبر إلا الخصوص ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " إنما الربا في النسيئة " .

39558 - وهذا كان منه جوابا لسائل سأله عن ذهب وفضة ، أو ما كان مثلهما مما حرم فيه الربا من جنسين مطعومين ، فأجابه أنه لا ربا إلا في النسيئة ، يعني فيما سألت عنه .

39559 - وقد روي في هذا الباب حديث فيه دلالة على أنه أريد بذلك رجل بعينه .

39560 - حدثني سعيد بن نصر قال : حدثني قاسم بن أصبغ قال : حدثني محمد بن وضاح قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثني زيد بن الحباب قال : حدثني موسى بن عبيدة قال : حدثني عبيد الله بن سلمان الأغر ، عن عطاء بن يسار ، عن جهجاه الغفاري ، أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام ، فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، فلما سلم قال : " ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه " . فلم يبق في المسجد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيري ، وكنت رجلا عظيما طوالا ، لا يقدم علي أحد ، فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله ، فحلب لي عنزا ، فأتيت عليها ، ثم [ حلب لي ] أخرى ، فأتيت عليها ، حتى [ ص: 266 ] حلب لي سبعة أعنز ، فأتيت عليها ، ثم أتيت بثومة فأتيت عليها ، فقالت أم أيمن : أجاع الله من أجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مه يا أم أيمن ، أكل رزقه ، ورزقنا على الله - عز وجل - " . وذكر الحديث .

39561 - وفيه أنه أسلم ، ثم ذهب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وتركه أصحابه لطول جسمه وعظمه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلبت له عنز واحدة ، فشربها ، فروي قال : فرويت فشبعت فقالت أم أيمن : يا رسول الله ، أليس هذا ضيفنا ؟ فقال : " بلى " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه أكل في معى مؤمن الليلة ، وأكل في معى كافر ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ، والمؤمن يأكل في معى واحد " يريد ذلك الرجل بعينه - والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية