الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
334 302 - مالك ، عن ابن شهاب ، أنه سأل سالم بن عبد الله : هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر ؟ فقال : نعم . لا بأس بذلك . ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة ؟ .


7727 - ( عبد الرزاق ) ، قال : أخبرنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، قال : جاءت امرأة إلى طاوس فقالت : ( إني أكره أبي ، حملني على ) الجمع بين الصلاتين . ( قال : لا يضرك ، أما ترين ) الناس يجمعون بين الصلاتين ، [ ص: 18 ] صلاة الهاجرة وصلاة ( العصر بعرفة ، والمغرب والعشاء بجمع ) .

7728 - قال أبو عمر : هذا دليل على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما ، إن شاء قدم الثانية إلى الأولى كالصلاة بعرفة ، وإن شاء أخر الأولى إلى دخول وقت الثانية ثم جمعهما كالصلاة بمزدلفة .

7729 - وقال الليث بن سعد : لا يجمع بين الصلاتين إلا من جد به السير .

7730 - وقال الأوزاعي : لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جد به السير جمع بينهما .

7731 - وعن الثوري نحو هذا .

7732 - وعنه أيضا ما يدل على جواز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما للمسافر ، وإن لم يجد به السير .

7733 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجمع أحد بين الصلاتين في سفر ولا حضر ، لا صحيح ولا مريض ، في صحو ولا مطر ، إلا أن للمسافر أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها ، ثم ينزل فيصليها ، ثم يمكث قليلا ويصلي العصر في أول وقتها ، وكذلك المريض .

7734 - قالوا : وأما أن يصلي صلاة في وقت أخرى فلا إلا بعرفة والمزدلفة لا غير .

7735 - وحجتهم ما رواه الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود : والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين : جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة ،

[ ص: 19 ] وبين المغرب والعشاء بجمع .

7736 - قال أبو عمر : ليس في هذا حجة ; لأن عند ابن مسعود فقط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة ، ومن حفظ وشهد حجة على من لم يحفظ ولم يشهد .

7737 - وقال الشافعي ، وأصحابه : من كان له أن يقصر فله أن يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما ، إن شاء في وقت الأولى ، وإن شاء في وقت الآخرة .

7738 - وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وجمهور علماء الحجاز .

7739 - وبه قال إسحاق بن راهويه ، وداود بن علي .

7740 - وهو قول ربيعة ، وأبي الزناد ، ومحمد بن المنكدر ، وصفوان بن سليم ، وأبي حازم ، وزيد بن أسلم .

7741 - وقد ذكرنا الآثار بذلك عنهم في التمهيد .

[ ص: 20 ] 7742 - وقال أحمد بن حنبل : وجه الجمع للمسافر ، أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ، ثم ينزل فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ، ثم يجمع بين المغرب والعشاء .

7743 - قال : فإن قدم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس .

7744 - قال إسحاق بن منصور : فذكرت قول أحمد لإسحاق ، فقال إسحاق : لا بأس بذلك .

7745 - وقال الطبري : للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس ، وبين المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر .

7746 - قال : والجمع في المطر كذلك .

7747 - قال أبو عمر : الحجة عند الاختلاف : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يوجد فيه نص من كتاب الله - عز وجل - ، وقد مضى ذكر السنة من حديث معاذ بن جبل ، وغيره ، وما أجمعوا عليه في صلاتي عرفة والمزدلفة ، فأغنى ذلك عما سواه ، والحمد لله .

7748 - ولا معنى للجمع الذي ذهب إليه أبو حنيفة ومن قال بقوله ; لأن ذلك جائز في الحضر بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - في طرفي وقت الصلاة : ما بين هذين وقت ، فأجاز الصلاة في آخر الوقت ، ولو لم يجز في السفر من سعة الوقت إلا ما جاز في الحضر بطل معنى السفر ومعنى الرخصة والتوسعة لأجله .

7749 - ومعلوم أن الجمع بين الصلاتين في السفر رخصة لمكان السفر ، وتوسعة في الوقت ، كما أن القصر في السفر لم يكن إلا من أجل السفر ، وما يلقى فيه من المشقة في الأغلب ، وفي ارتقاب المسافر ومراعاته أن لا يكون نزوله إلا في الوقت الذي عده [ ص: 21 ] أبو حنيفة مشقة وضيقا لا سعة .

7750 - وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ، ولا بين العشاء والصبح ، ولو كان ( الجمع بين الصلاتين في السفر على ما ذهب أبو حنيفة إليه ) والقائلون بقوله ; لجاز الجمع بين العصر والمغرب بأن يصلي العصر في آخر وقتها ، ثم يتمهل قليلا ويصلي المغرب .

7751 - وهذا كله ، شاهد على ما ذهبوا إليه في الجمع بين الصلاتين ، ودليل على أنهم دفعوا الآثار في ذلك برأيهم ، وبالله التوفيق لا شريك له .

7752 - وفي حديث مالك ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ في هذا الباب تقدم الإمام إلى العسكر بالنهي عما لا يريد فعله ، وله العفو فإن خالفه مخالف كانت له معاقبته بما يراه ردعا له عن مثل فعله ، وله العفو عنه فإن الله عفو يحب العفو .

7753 - ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع حلمه وما كان عليه من الخلق العظيم - كيف سب الرجلين وقال لهما ما شاء الله أن يقول ; إذ خالفاه وأتيا ما قد نهى عنه ، وفيه علم عظيم من أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - ; إذ غسل وجهه ويديه بقليل من ماء تلك العين ، ثم صبه فيها فجرت العين بماء كثير عمهم وفضل عنهم ، وتمادى إلى الآن ولعله يتمادى إلى قيام الساعة ، وهكذا النبوة . وأما السحر فلا يبقى بعد مفارقة عين صاحبه . والله أعلم .

7754 - قال ابن وضاح : أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانا خضرة نضرة بعده .

7755 - وفيه إخباره - صلى الله عليه وسلم - بغيب كان بعده ، وهذا وغيره ليس عجيبا منه ، ولا مجهولا من شأنه ، ولا مستغربا من فعله - صلى الله عليه وسلم - .

7756 - وأما قوله في الحديث : " والعين تبض بشيء من ماء " وهي الرواية [ ص: 22 ] عندنا ( بالضاد المنقوطة ) ، فمعناه أنها كانت تسيل بشيء من الماء ضعيف .

7757 - قال حميد بن ثور الهلالي .


منعمة لو يصبح الذر ساريا على جلدها بضت مدارجه دما

.

[ ص: 23 ] 7758 - هذه رواية الأصمعي في شعر حميد بن ثور . ورواية غيره :


مهاة لو أن الذر يمشي ضعابه     على متنها بضت مدارجه دما



7759 - وقد فسر " بضت " بمعنى سالت ، والتفسير الأولى بمعنى الحديث .

7760 - وتقول العرب للموضع الذي يندى : " قد بض " وتقول " ما بض بقطرة "

7761 - وأما من رواه بالصاد من البصيص ، فمعناه أنها كانت يضيء فيها الماء ويبرق ويرى له بصيص ، والرواية الأولى أكثر .

التالي السابق


الخدمات العلمية