الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
382 [ ص: 209 ] ( 18 ) باب انتظار الصلاة والمشي إليها .

355 - ذكر فيه مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .

[ ص: 210 ] 8673 - قال مالك : لا أرى قوله : ما لم يحدث ، إلا الحدث الذي ينقض الوضوء .


8674 - قال أبو عمر : أما قوله : الملائكة تصلي على أحدكم فقد بان في سياق الحديث معناه وذلك قوله : اللهم اغفر اللهم ارحمه .

8675 - ومعنى تصلي على أحدكم يريد تدعو له وتترحم عليه .

8676 - ومصلاه موضع صلاته وذلك عندي في المسجد ; لأن هناك يحصل منتظرا للصلاة في الجماعة ، وهذا هو الأغلب في معنى انتظار الصلاة .

8677 - ولو قعدت المرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت الصلاة الأخرى فتقوم إليها لم يبعد أن تدخل في معنى الحديث ; لأنها حبست نفسها عن التصرف رغبة في الصلاة وخوفا من أن تكون في شغل يفوتها معه الصلاة .

8678 - ومن هذا المعنى قيل : وانتظار الصلاة رباط ; لأن المرابط يحبس نفسه عن المكاسب والتصرف إرصادا للعدو وملازمة للموضع الذي يخشى فيه طريق العدو .

8679 - وللصلاة في كلام العرب وجوه .

8680 - قال أبو بكر بن الأنباري : الصلاة تنقسم في لسان العرب على ثلاثة أقسام : تكون الصلاة المعروفة التي فيها الركوع والسجود كما قال تعالى : " فصل لربك وانحر " [ الكوثر : 2 ]

[ ص: 211 ] 8681 - قال أبو عمر : أنشد نفطويه في هذا المعنى قول الأعشى : [ ص: 212 ]

يراوح من صلوات الملي ك طورا سجودا وطورا جؤارا

.

8682 - والجؤار هاهنا الرجوع إلى القيام والقعود ، ومن هذا قولهم للبكرة تدور على الحور .

8683 - قال ابن الأنباري : وتكون الصلاة الترحم من الله تعالى .

8684 - قال الله - عز وجل - " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " [ البقرة : 157 ] .

[ ص: 213 ] 8685 - ومن ذلك قول كعب بن مالك :

صلى الإله عليهم من فتية     وسقى عظامهم الغمام المسبل

.

8686 - وقال آخر :

صلى على يحيى وأشياعه     رب كريم وشفيع مطاع

.

8687 - ومنه الحديث الذي يروى عن ابن أبي أوفى ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 214 ] بصدقة آل أبي أوفى فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى ، يريد اللهم ارحمهم .

8688 - حدثنا إبراهيم بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد يعني ابن حبابة ببغداد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد العزيز ، قال : حدثنا علي بن الجعد بن عبيد الجوهري ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عمرو بن مرة ، قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى - وكان من أصحاب الشجرة - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقة قال : اللهم صل عليهم ، فأتاه أبي بصدقة فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى .

8689 - وتكون الصلاة : الدعاء ، ومن ذلك الصلاة على الميت ، معناها الدعاء ; لأنها لا ركوع فيها ولا سجود .

8690 - ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل " يريد يدعو .

[ ص: 215 ] 8691 - وأما قوله - عز وجل - " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " [ الإسراء : 110 ] فقيل : والصلاة هاهنا الدعاء ، وقيل غير ذلك مما نزلت بسببه الآية على ما قد أوردناه في التمهيد ، ويأتي في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

8692 - ومن معنى قوله : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما روي عن سعيد بن المسيب إذ عوتب على تخلفه عن الجنائز فقال : قعودي في المسجد أنتظر الصلاة أحب إلي ; لأن الملائكة تصلي علي : اللهم اغفر لسعيد بن المسيب .

8693 - وقد ذكرنا في التمهيد خبر سعيد هذا بتمامه ، وذكرنا قول من خالفه في مذهبه هذا ورأى شهود الجنائز أفضل ; لأنه فرض على الكفاية ، والفرض على الكفاية أفضل من التطوع والنافلة .

8694 - وأما قول مالك في معنى ما لم يحدث أنه الحدث الذي ينقض الطهارة ، وهو قول صحيح ; لأن المحدث في المسجد القاعد على غير وضوء لا يكون منتظرا للصلاة .

8695 - وقول مالك هذا أولى من قول من قال : إن الحدث هاهنا الكلام القبيح .

8696 - وهذا قول ضعيف أن من تكلم بما لا يصلح من القول لا يخرجه ذلك من أن يكون منتظرا للصلاة ويرجى له أن يدخل في دعاء الملائكة له بالمغفرة والرحمة ; لأنه منتظر للصلاة في حال يجوز له بها الصلاة إذا كان عقده ونيته انتظار الصلاة بعد الصلاة .

8697 - ويشهد لهذا التأويل حديث مالك في هذا الباب أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية