الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
392 [ ص: 231 ] ( 20 ) باب الالتفات والتصفيق في الصلاة عند الحاجة .

365 - ذكر فيه مالك عن أبي حازم الأشجعي سلمة بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ; ليصلح بينهم ، وحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر [ ص: 232 ] الصديق فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس من التصفيق ، التفت أبو بكر فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله [ ص: 333 ] على ما أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، ثم استأخر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ثم انصرف ، فقال : " يا أبا بكر ، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك " فقال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مالي رأيتكم أكثرتم من التصفيح ؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح ، فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيح للنساء " .


8767 - قد ذكرنا في التمهيد اختلاف ألفاظ الناقلين لهذا الحديث عن أبي حازم وغيره .

[ ص: 234 ] 8768 - وبان في ذلك أن الصلاة الذي ذكر أنها كانت صلاة العصر ، وأن المؤذن كان بلالا .

8769 - وفي هذا الحديث من الفقه : أن الصلاة إذا خشي فوت وقتها المستحب المختار أنه لا ينتظر الإمام فيها وإن كان فاضلا .

8770 - وفيه : أن الإقامة إلى المؤذن هو أولى بها .

8771 - وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى .

8772 - فقال قائلون : من أذن فهو يقيم ، ورووا فيه حديثا أخرج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد فيه لين يدور على عبد الرحمن بن زياد الأفريقي .

[ ص: 235 ] 8773 - وقال مالك والكوفيون : ولا بأس بأذان المؤذن وإقامة غيره .

8774 - واستحب الشافعي أن يقيم المؤذن ، فإن أقام غيره فلا بأس بذلك عنده .

8775 - وفي حديث عبد الله بن زيد : إذ أري النداء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا ، ففعل ، فلما أذن بلال ، قال لعبد الله بن زيد : أقم أنت .

8776 - وفي هذا أذان رجل وإقامة غيره .

[ ص: 236 ] 8777 - وإسناد حديث عبد الله بن زيد أثبت عند أهل العلم .

8778 - وفي حديث هذا الباب أيضا أنه لا بأس بتخلل الصفوف ، والمشي إلى الصف الأول ، حتى يصل إليه من يليق به الصلاة فيه ; لأن شأن الصف الأول أن يكون فيه أفضل القوم علما ودينا ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " يعني ليحفظوا عنه ، ويعوا ما يكون منه في صلاته .

8779 - وكذلك ينبغي أن يكون في الصف الأول من يصلح أن يلقنه ما تعايا عليه ، ووقف فيه من القرآن ، ومن يصلح أيضا للاستخلاف في الصلاة إن ناب الإمام فيها ما يحمله على الاستخلاف .

8780 - وفيه أن التصفيق لا يفسد صلاة الرجال إن فعلوه فيها ; لأنهم لم يؤمروا بإعادة ، وإنما قيل لهم : من نابه شيء في صلاته فليسبح .

8781 - وفيه أن من فضائل الرجل لا يلتفت في صلاته ، ولذلك وصف به أبو بكر - رضي الله عنه - من حاله ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت .

8782 - في ذلك دليل على أن الالتفات الخفيف لأمر لا بد منه لا يفسد الصلاة ; لأنه لم يؤمر بالإعادة لفعله ذلك .

[ ص: 237 ] 8783 - وقد جاءت في النهي عن الالتفات آثار حسان ذكرتها في التمهيد ، محلها عند العلماء على ما ذكرت لك .

8784 - منها : أن عبد الله بن عمر سئل : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتفت في الصلاة ؟ قال : لا ، ولا في غير الصلاة .

8785 - وفيه أن الإشارة في الصلاة باليد والغمز بالعين لا تضر المصلي .

8786 - وقد روى نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يشير في الصلاة .

8787 - وقد ذكرنا الأحاديث بأسانيدها في التمهيد .

8788 - وفيه : أن رفع اليدين في الصلاة حمدا ، وشكرا ، ودعاء ، وضراعة إلى الله - عز وجل - لا تضر الصلاة .

8789 - وفيه دليل على جواز الاستخلاف في الصلاة إذا أحدث الإمام ، أو منعه من تمام صلاته مانع ، وقد تأخر أبو بكر من غير حدث ; ليتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 238 ] 8790 - فمن نابه في صلاته من حدث أو غيره مما يمنعه من التمادي فيها ، أحرى بأن يجوز له الاستخلاف والتأخر .

8791 - وقد كان يجوز لأبي بكر أن يبقى مكانه ولا يتأخر ، بدليل إشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن امكث مكانك .

8792 - وأما تأخر أبي بكر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكانه فهو موضع خصوص عند أكثر العلماء ، وكلهم لا يجيز إمامين في صلاة واحدة من غير حدث يقطعها على الإمام ، وفي إجماعهم على هذا دليل على خصوص هذا الموضع ; لفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا نظير له ، ولا يجوز أن يتقدم بين يديه للنهي في ذلك إلا بأمره ، وسائر الناس تتقارب أحوالهم ، ولا يجوز لأحد أن يتقدم قوما إلا بإذنهم أو إذن من له الإذن منهم ، فلا ضرورة بأحد اليوم إلى مثل ذلك الفعل ، فلذلك بان فيه الخصوص ، والله أعلم .

8793 - وموضع الخصوص من هذا الحديث هو استئخار الإمام من غير حدث ، وأما من تأخر لعلة الحدث فجائز لما وصفنا .

8794 - وقد روى عيسى ، عن ابن القاسم ، في رجل صلى بقوم ركعة من [ ص: 239 ] صلاتهم ، ثم أحدث فخرج وقدم رجلا ، ثم توضأ وانصرف فأخرج الذي قدمه وتقدم مكانه فأتم بهم ، هل تجزئهم صلاتهم ؟ .

8795 - فقال : قد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تأخر له أبو بكر فصلى به وبالناس .

8796 - قال : فإما أن يصلي بهم بقية صلاتهم ثم يجلسون حتى يتم هو لنفسه ، ثم يسلم ويسلمون .

[ ص: 240 ] 8797 - قال عيسى : قلت لابن القاسم : فلو ذكر قبيح ما صنع بعد أن صلى ركعة ؟

8798 - قال : يخرج ويقوم الذي خرج .

8799 - قلت : فإن لم يجد ؟ قال : يقوم غيره ممن أدرك الصلاة كلها .

8800 - وفيه : أن السنة لمن نابه شيء في صلاته أن يسبح ولا يصفق .

8801 - هذا ما لا خلاف فيه للرجال ، وأما النساء فإن العلماء اختلفوا في ذلك :

8802 - فذهب مالك وأصحابه : أن التسبيح للرجال والنساء على ظاهر قوله : من نابه شيء في صلاته فليسبح ، وهذا على عمومه في الرجال والنساء ، وتأولوا في قوله : " فإنما التصفيح للنساء " أي أن التصفيح من أفعال النساء على جهة الذم لذلك .

8803 - وقال آخرون منهم : الشافعي ، والأوزاعي ، وعبيد الله بن الحسن ، والحسن بن حي ، وجماعة : من نابه من الرجال شيء في صلاته سبح ، وأما المرأة فإنها تصفق إذا نابها في صلاتها شيء ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فرق بين الرجال والنساء في ذلك فقال : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء .

8804 - وكذلك رواه جماعة في حديث سهل بن سعد هذا .

8805 - وهو محفوظ ثابت من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه عن أبي هريرة : سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، ومحمد بن سيرين ، وأبو صالح السمان ، وغيرهم .

[ ص: 241 ] 8806 - وعلى هذا يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - " من نابه شيء في صلاته منكم - يا معشر الرجال - فليسبح " ، إذ عليهم خرج الخبر ، وإليهم توجه الخطاب .

8807 - وقال بعض العلماء : إن التصفيح للنساء أن تضرب المرأة بأصبعين من يمينها على كفها الشمال .

8808 - وقال بعضهم : إنما كره التسبيح للنساء وأبيح لهن التصفيق ; لأن صوت المرأة فتنة ; ولهذا منعت من الأذان ، والإقامة ، والجهر بالقراءة في صلاتها .

8809 - وفي هذا الحديث دليل على جواز الفتح على الإمام إذا احتاج إلى ذكره لقوله - صلى الله عليه وسلم - " من نابه شيء في صلاته فليسبح " وإذا جاز التسبيح جازت التلاوة ; لأنها ذكر .

8810 - وهذا إنما يكون إذا وقف الإمام ولم يجد ما يقرأ على ما يروى عن [ ص: 242 ] علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : إذا استطعمك الإمام فأطعمه .

8811 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد ، قال : حدثنا الخضر بن داود ، قال : حدثنا أبو بكر بن الأثرم ، قال : حدثنا قبيصة ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن خالد الحذاء ، قال : سمعت الحسن يقول : إن أهل الكوفة يقولون : لا يفتح على الإمام ، ولا بأس به ، أليس الرجل يقول : سبحان الله .

8812 - وذكر الطحاوي أن الثوري ، وأبا حنيفة وأصحابه ، كانوا يقولون : لا يفتح أحد على الإمام .

8813 - قالوا : فإن فتح عليه لم تفسد صلاته .

8814 - وروى الكرخي عن أصحاب أبي حنيفة ، أنهم لا يكرهون الفتح على الإمام .

8815 - وقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما : لا بأس بالفتح على الإمام اتفاقا .

8816 - وهذا هو الصحيح ; لأن تلاوة القرآن في الصلاة أجوز من التسبيح .

[ ص: 243 ] 8817 - وقد قال أبو حنيفة : إذا كان التسبيح جوابا قطع الصلاة ، وإن كان مرور إنسان بين يديه لم يقطع .

8818 - وقال أبو يوسف : لا يقطع وإن كان جوابا .

8819 - وكذلك اختلافهم فيمن جاوب بالقرآن وهو يصلي جوابا مفهوما .

التالي السابق


الخدمات العلمية