الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
410 383 - وأما حديثه في هذا الباب عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن رجل من المهاجرين لم ير به بأسا ، أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص : أأصلي في عطن الإبل ؟ فقال عبد الله : لا ، ولكن صل في مراح الغنم .


9127 - هكذا هو في " الموطأ " عند جميع الرواة .

[ ص: 305 ] ورواه وكيع ، وعبدة بن سليمان ، عن هشام ، قال : حدثني رجل من المهاجرين .

9128 - وبعضهم يقول : عن هشام عن رجل من المهاجرين لا يذكرون فيه : عن أبيه . 9129 - وزعم مسلم أن مالكا وهم فيه ، وأن وكيعا ومن تابعه أصابوا ، وهو عندي ظن وتوهم لا دليل عليه .

9130 - ومعلوم أن مالكا أحفظ ممن خالفه في ذلك وأعلم بهشام ، ولو صح ما نقله غير مالك عن هشام ما كان عندي إلا وهما من هشام ، والله أعلم .

9131 - ومالك في نقله حجة .

9132 - ومثل ذلك من الفرق بين الغنم والإبل لا يدرك بالرأي .

9133 - وقد روى هذا الحديث : يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

9134 - ورواه عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، قال : حدثني رجل سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في أعطان الإبل ، قال : فنهاه وقال : صل في مراح الغنم .

9135 - والصواب في إسناده عن هشام - والله أعلم - ما قاله مالك عنه ، وأما يونس بن بكير فليس بالحافظ .

[ ص: 306 ] 9136 - وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة من حديث أبي هريرة ، والبراء بن عازب ، وجابر [ ص: 307 ] بن سمرة ، وعبد الله بن معقل . وكلها بأسانيد حسان ، وأكثرها تواتر ، وأحسنها حديث البراء . وحديث عبد الله بن معقل رواه عن الحسن نحو خمسة عشر رجلا .

9137 - وأما عطن الإبل فهو موضع بروكها عند سقيها ; لأنها في سقيها لها شربتان ترد الماء فيها مرتين ، فموضع بروكها بين الشربتين هو عطنها لا موضع بيتها ، وموضع بيتها هو مراحها ، كما لمراح الغنم موضع مقيلها وموضع مبيتها .

[ ص: 308 ] 9138 - وفي هذا الحديث دليل على أن ما يخرج من مخرج الحيوان المأكول لحمه ليس بنجس ; لأن مراح الغنم لا تسلم من بعرها ، وحكم الإبل حكمها .

9139 - وقد تنازع العلماء في المعنى الذي ورد له هذا الحديث من الفرق بين عطن الإبل ومراح الغنم .

9140 - فقال منهم قائلون : كان هذا من أجل أنه كان يستتر بها عند الخلاء ، وهذا خوف النجاسة من غيرها لا منها .

9141 - وقال آخرون : النهي عن ذلك من أجل أنها لا تستقر في عطنها ولها إلى الماء نزوع ، فربما قطعت صلاة المصلي ، أو هجمت عليه فآذته وقطعت صلاته .

9142 - واعتلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - " لا تصلوا في أعطان الإبل ; فإنها جن خلقت من جن " .

9143 - وفي بعض الروايات في حديث عبد الله بن مغفل : فإنها خلقت من الشياطين أو من عنان الشياطين .

9144 - وهذه ألفاظ موجودة محفوظة في حديث عبد الله بن مغفل في كتاب عبد الرزاق ، وأبي بكر بن أبي شيبة .

9145 - وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أتكره أن تصلي في أعطان الإبل ؟ قال : نعم ; من أجل أنه يبول الرجل إلى البعير البارك ، ولولا ذلك لكان عطنها مثل مراحها .

9146 - قلت : أتصلي في مراح الغنم ؟ قال : نعم ، قلت : فإذا لم أخش من عطنها إذا ؟ قال : فهو بمنزلة مراحها .

[ ص: 309 ] 9147 - قال أبو عمر : لا أعلم في شيء من الآثار المعروفة ولا عن السلف أنهم كرهوا الصلاة في مراح الغنم ، وذلك دليل على طهارة أبعارها وأبوالها . ومعلوم أن الإبل مثلها في إباحة أكل لحومها .

9148 - واختلف العلماء فيمن صلى في أعطان الإبل والموضع طاهر سالم من النجاسة .

9149 - وقال أهل الظاهر : صلاته فاسدة ; لأنها طابقت النهي ، فهي فاسدة ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " أي مردود .

9150 - وقال أكثر العلماء : بئس ما صنع إذا علم بالنهي ، وصلاته ماضية إذا سلم من ما يفسدها من نجاسة أو غيرها ; لأن النهي عندهم معناه عنهم .

9151 - واستحب بعض أصحابنا الإعادة في الوقت .

9152 - ولا أعلم أحدا أجاز الصلاة في أعطان الإبل إلا ما ذكر وكيع عن أبي بكر ، عن جابر ، عن عامر بن جندب بن عامر السلمي ، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم ، وهذا لم يسمع بالنهي ، والله أعلم .

9153 - وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أأصلي في مراح الشاء ؟ قال : نعم ، قلت : أو تكرهه من أجل بول الكلب بين أظهرها ؟ قال : إن خشيت بول الكلب بين أظهرها فلا تصل فيها .

[ ص: 310 ] 9154 - وعن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أأصلي في مراح الغنم ؟ قال : نعم ، فقال له إنسان : إن صليت في مراح الغنم أو البقر أسجد على البقر أو أفحص لوجهي ؟ قال : بل افحص لوجهك .

التالي السابق


الخدمات العلمية