الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
425 [ ص: 357 ] ( 25 ) باب جامع الترغيب في الصلاة .

399 - مالك ، عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ثائر الرأس ، يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنى ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس صلوات في اليوم والليلة " قال : هل علي غيرهن ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وصيام شهر رمضان " قال : هل علي غيره ؟ قال : " لا . إلا أن تطوع " قال : وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة . فقال : هل علي غيرها ؟ قال : " لا . إلا أن تطوع " قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أفلح الرجل ، إن صدق " .


[ ص: 358 ] 9356 - ورواه إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن طلحة ، أن أعرابيا جاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس ، فقال يا رسول الله ، ماذا فرض الله علي من الصلاة ؟ قال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع ، قال : فأخبرني بما افترض الله علي من الصيام ؟ قال : صيام شهر رمضان إلا أن تطوع ، قال أخبرني بما افترض الله علي من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فقال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفلح والله إن صدق ، أو دخل الجنة والله إن صدق " .

9357 - قد ذكرنا في التمهيد أن قوله في هذا الحديث : وأبيه منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " .

9358 - وذكرنا إسناده عن إسماعيل بن جعفر من طرق .

9359 - وهذا الأعرابي النجدي هو ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن [ ص: 359 ] بكر ، روى حديثه ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأنس بمعان متفقة وألفاظ متقاربة ، كلها أكمل من حديث طلحة هذا ، وقد ذكرناها بطرقها في التمهيد وفيها ذكر الحج وليس ذلك في الحديث من رواية مالك ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام . وشرائع الإسلام فيها الحج لا شك فيه .

9360 - وفي هذا الحديث ما يدل على أن وصف الإنسان ببعض ما فيه من خلقته وإن لم تكن محمودة فليس بغيبة إذا لم يقصد الواصف عيبه .

9361 - وفيها أيضا من الفقه : ألا فرض من الصلوات إلا خمس ، وفي ذلك رد قول من زعم أن الوتر واجب .

9362 - وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة ، وأصحابه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 360 ] " إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم وهي الوتر " .

9363 - وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل أن يكون زادنا في أعمالنا التي نؤجر عليها فضيلة ونافلة بقوله : زادكم وزاد لكم ولم يقل : زاد عليكم ، وما لنا هو خلاف لما علينا .

9364 - ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " [ البقرة : 238 ] ولو كانت ستا لم تكن فيهن وسطا .

9365 - ودليل آخر وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر في سفره على راحلته ، وكان يصلي الفريضة بالأرض .

9366 - وقد مضى هذا المعنى في بابه من هذا الكتاب .

9367 - والآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الصلوات خمس كثيرة .

[ ص: 361 ] 9368 - منها حديث عبادة : " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " .

9369 - ومنها حديث أبي هريرة وغيره : " الصلوات الخمس كمثل نهر . . . . " الحديث .

9370 - ومنها حديث عوف بن مالك قال : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصلوات الخمس . . . . . . الحديث .

9371 - ومنها حديث ابن عباس في وفد عبد القيس وفيه ذكر الصلوات الخمس .

9372 - وقال علي - رضي الله عنه - : الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة ، ولكنها سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

9373 - وقد ذكرنا الخبر عنه بذلك فيما سلف من هذا الكتاب ، وطرقا عنه في التمهيد .

9374 - وفي هذا الحديث أيضا من الفقه : أن لا فرض من الصيام إلا شهر رمضان ، وهذا أمر مجتمع عليه .

9375 - وفيه : أن الزكاة فريضة ، وهو أمر أيضا لا اختلاف في جملته لكن في تفصيله اختلاف كثير سيأتي في أبوابه من هذا الكتاب إن شاء الله .

9376 - وليس في حديث طلحة بن عبيد الله ذكر الحج ، وذكره ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأنس ، في حديث ضمام بن ثعلبة .

9377 - وقد ذكرناه بطرقه في التمهيد .

9378 - وأما قوله في حديث مالك : فإذا هو يسأل عن الإسلام ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فإن الإسلام بني على خمس . رواه ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله [ ص: 362 ] وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان .

9379 - وقد ذكرنا خبر ابن عمر هذا في التمهيد .

9380 - والعلماء يجمعون على أن أعمدة الدين وأركانه التي بني عليها خمس على ما في حديث ابن عمر هذا وهو : الدين عند الله الإسلام .

9381 - وسيأتي القول في الإيمان والإسلام ، وما لعلماء الأمة في ذلك في المذاهب والتنازع في موضعه من هذا الكتاب ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " الحياء من الإيمان " إن شاء الله .

9382 - ولا أعلم بهذا المعنى حديثا يخالف حديث ابن عمر : بني الإسلام على خمس ، إلا ما جاء عن ابن عباس أنه قال : عرى الإسلام ثلاث بني الإسلام عليها من ترك منها واحدة فهو حلال الدم : شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة ، وصوم رمضان .

9383 - ثم قال ابن عباس : تجده كثير المال ولا يزكي فلا نراه بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه ، وتجده كثير المال ولا يحج فلا يحل بذلك دمه ، ولا نراه بذلك كافرا .

9384 - حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي العامري قال : حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان ، قال : حدثنا علي بن سعيد ، قال : حدثنا أبو رجاء سعيد بن جعفر البخاري ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال :

[ ص: 363 ] حدثنا عمرو بن مالك البكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال حماد : ولا أظنه إلا رفعه ، قال : عرى الإسلام . . . . . . . . . . . . فذكره .

9385 - وجاء عن حذيفة أنه قال : الإسلام ثمانية أسهم : الشهادة سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، وحج البيت سهم ، وصوم رمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له .

9386 - رواه شعبة والثوري ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة .

9387 - وأما فرض الجهاد وتقسيمه على التعيين والكفاية فسيأتي في موضعه إن شاء الله .

9388 - وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان واجبا فإنه ليس يجري مجرى الخمس التي عليها بني الإسلام ، لقول الله - عز وجل - " ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " [ المائدة : 105 ] ولقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك .

[ ص: 364 ] 9389 - وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة أن تأويل هذه الآية : إذا اختلفت القلوب في آخر الزمان ألبس الناس شيعا ، وأذيق بعضهم بأس بعض ، وكان الهوى متبعا ، والشح مطاعا ، وأعجب ذو الرأي برأيه .

9390 - وذكر الدارقطني ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن حماد العسكري ، وقال : حدثنا عيسى بن ذكويه ، قال : حدثنا الخليل بن يزيد بمكة ، قال : حدثنا الزبير بن عيسى أبو الحميدي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قيل : يا رسول الله ، متى لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر ؟ قال : إذا كان البخل في كباركم والعلم في رذالكم ، والادهان في خياركم ، والملك في صغاركم .

9391 - وقد ذكرت هذا الحديث من طرق في كتاب " جامع بيان العلم " ، والحمد لله .

9392 - وروي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وطائفة ، أنهم قالوا في قول الله تعالى " ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " [ المائدة : 105 ] قالوا : أقبلوا على أنفسكم لا يضركم من ضل من غير أهل دينكم إذا أدوا الجزية .

9393 - قال أبو عمر : فلهذا قلنا : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فرضا على قدر الطاقة ، فليس يجري مجرى الخمسة المذكورة في حديث ابن عمر ; لأنها ما لا خلاف في وجوب جملتها .

9394 - وقال من ذهب من أصحابنا وغيرهم إلى أن الحج على الفور : لم يكن الحج مفترضا في حين سؤال هذا الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام وشرائعه ، وهذا لا [ ص: 365 ] معنى له ; لأن الأعرابي هو ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر ، وفي خبره من رواية ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس ، ذكر الحج وكان قدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما زعم أهل السير سنة خمس من الهجرة ، وليس من قصر عن حفظ الحج في ذلك الخبر بحجة على من حفظه .

9395 - وقد اختلف في هذه المسألة أصحاب مالك ، وأصحاب الشافعي ، وأصحاب أبي حنيفة على قولين : أحدهما على الفور ، والآخر على التراخي .

9396 - وسنبين أقوالهم ووجوهها في كتاب الحج إن شاء الله .

9397 - وفي قوله - عليه السلام - : " لا إلا أن تطوع " ندب إلى التطوع ، كأنه قال : ما عليك فرض إلا الخمس ولكن إن تطوعت فهو خير لك ، وكذلك الصيام ، والحج ، والعمرة ، والجهاد .

9398 - وفي فضائل ذلك كله ما يضيق الكتاب عن مثله .

9399 - وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له : أفلح إن صدق بعد قوله : لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه ، دليل على أن من أدى فرض الله واجتنب محارم الله عليه من الكبائر فهو في الجنة ; لأن الصغائر قد وعد الله غفرانها باجتناب الكبائر ، ووعد عباده المؤمنين إذا آمنوا به وصدقوا المرسلين ، وأدوا ما افترض الله عليهم ، واجتنبوا كبائر ما ينهون عنه أن لهم الجنة .

9400 - قال الله تعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " [ النساء : 31 ] 9401 - أتى رجل إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - فقال له : يا أبا عبد الله ، أشكو إليك أني لا أقدر على قيام الليل ، فقال له سلمان : يا أخي ، لا تعص الله بالنهار تستعين على القيام بالليل .

9402 - وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته : ألا إن أفضل الفضائل أداء الفرائض ، واجتناب المحارم . [ ص: 366 ] 9403 - وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - " أفلح إن صدق " فمعناه : فاز بالبقاء الدائم في الخير والنعيم وهي الجنة لا يبيد نعيمها .

9404 - والفلاح والبقاء في كلام العرب وهو معنى قول المؤذن : حي على الصلاة ، حي على الفلاح .

9405 - قال الأضبط بن قريع :

لكل ضيق من الأمور سعه والمسي والصبح لا فلاح معه أي لا بقاء معه .

9406 - وقال الآخر :

[ ص: 367 ] لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح .

9407 - وقال لبيد :


أعقلي إن كنت لما تعقلي فلقد أفلح من كان عقل

.

التالي السابق


الخدمات العلمية