الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
32 [ ص: 5 ] ( 1 ) كتاب الطهارة

( 1 ) - باب العمل في الوضوء

35 - مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ؛ أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم ، وهو جد عمرو بن يحيى المازني ، وكان [ ص: 6 ] من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم : نعم ، فدعا بوضوء . فأفرغ على يده ، فغسل يديه مرتين ، مرتين ثم تمضمض ، واستنثر ثلاثا . ثم غسل وجهه ثلاثا . ثم غسل يديه مرتين مرتين ، إلى المرفقين ؛ ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ؛ بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما ، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ؛ ثم غسل رجليه .


[ ص: 7 ] 1122 - هكذا في " الموطأ " عند جميع رواته - فيما علمت - في إسناد هذا الحديث : " وهو جد عمرو بن يحيى في جده عبد الله بن زيد بن عاصم " .

1123 - ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث عن عمرو بن يحيى في عبد الله بن زيد بن عاصم : وهو جد عمرو بن يحيى ؛ إلا مالك ، ولم يتابعه أحد على ذلك .

1124 - وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري لا خلاف في ذلك .

1125 - ولجده أبي حسن صحبة فيما ذكر بعضهم على ما ذكرنا في كتاب " الصحابة " ، وعسى أن يكون جده لأمه .

[ ص: 8 ] 1126 - وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في " التمهيد " واختلاف رواته في سياقته وألفاظه .

1127 - وليس عند القعنبي في الموطأ .

1128 - وذكره سحنون في المدونة بألفاظ لا تعرف لمالك في إسناده ولا متنه .

[ ص: 9 ] 1192 - وقد أوضحنا معنى ذلك كله في " التمهيد " ، والحمد لله .

1130 - فأما ما في هذا الحديث من المعاني فأول ذلك غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مرتين .

1131 - فجملة قول مالك في ذلك أنه كره أن يدخل أحد يديه في وضوئه قبل أن يغسلهما إذا كان محدثا ، وإن كانت يده طاهرة لم يضر ذلك وضوءه .

1132 - هذا هو المشهور عنه ، والمعروف من مذهبه فيما روى عنه ابن القاسم ، وابن وهب ، وأشهب ، وغيرهم ؛ إلا ما ذكره ابن وهب ، عن ابن القاسم عن مالك في الذي يستيقظ فيدخل يده في الإناء : أنه لا بأس بذلك .

1133 - وذكر عن ابن وهب ، وأصبغ أنهما كرها ذلك .

[ ص: 10 ] 1134 - وقال ابن وهب : ليس على المتوضئ غسل يده إذا كانت طاهرة ، وكانت بحضرة الوضوء .

1135 - وسنورد ما للعلماء في هذا المعنى مستوعبا في باب وضوء النائم إن شاء الله .

1136 - وأما قوله : ثم مضمض واستنثر ثلاثا ، فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكمل الوضوء وأتمه ، وما زاد فهو اعتداء ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان ، وهذا لا خلاف فيه .

[ ص: 11 ] 1137 - والمضمضة معروفة ، وليس إدخال الإصبع ودلك الأسنان بها من المضمضة ، فمن شاء فعل ، ومن شاء لم يفعل .

1138 - وحسب المتمضمض أخذ الماء من اليد بفيه وتحريكه متمضمضا به ، وطرحه عنه . فإن فعل ذلك ثلاثا فقد بلغ غاية الكمال .

1139 - وأما الاستنثار فهو : دفع الماء من الأنف ، والاستنشاق : أخذه بريح الأنف .

1140 - وهما كلمتان مرويتان في الآثار المرفوعة وغيرها ، متداخلتان في المعنى ، وأهل العلم يعبرون بالواحدة عن الأخرى .

1141 - وقد ذكرنا الآثار الواردة بهما في " التمهيد " .

1142 - فأما اختلاف العلماء في حكمهما فإن مالكا والشافعي وأصحابهما يقولون : المضمضة والاستنثار سنة لا فريضة ، لا في الوضوء ولا في الجنابة .

1143 - وهذا قول الأوزاعي ، والليث بن سعد .

1144 - وبه قال محمد بن جرير الطبري .

1145 - وروي ذلك عن الحسن البصري ، وابن شهاب ، والحكم بن عتيبة ، ويحيى بن سعيد ، وقتادة .

[ ص: 12 ] 1146 - فمن توضأ ولم يأت بهما ولا عملهما في وضوئه وصلى فلا إعادة عليه عند واحد من هؤلاء العلماء .

1147 - وحجة من لم يوجبهما أن الله لم يذكرهما في كتابه ولا أوجبهما رسوله ، ولا اتفق الجميع على إيجابهما . والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه .

1148 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري : هما فرض في الجنابة ، وسنة في الوضوء فإن تركهما في غسله من الجنابة وصلى أعاد كمن ترك لمعة ومن تركهما في وضوئه فلا شيء عليه .

1149 - والحجة لهم قوله - عليه السلام - : " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر " ، وفي الأنف ما فيه من الشعر وأنه لا يوصل إلى غسل الأسنان والشفتين إلا بالمضمضة .

1150 - وقد قال عليه السلام : " العينان تزنيان ، والفرج يزني " ونحو ذلك إلى أشياء نزعوا بها تركت ذكرها .

1151 - وقال ابن أبي ليلى ، وحماد بن أبي سليمان : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، وهو قول إسحاق بن راهويه .

1152 - وروي عن عطاء ، والزهري مثل ذلك أيضا ، وروي عنهما مثل قول مالك والشافعي .

[ ص: 13 ] 1153 - وكذلك اختلف أصحاب داود : فمنهم من قال : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، ومنهم من قال : إن المضمضة سنة والاستنشاق فرض .

1154 - وكذلك اختلف عن أحمد بن حنبل على هذين القولين المذكورين عن داود وأصحابه .

1155 - ولم يختلف قول أبي ثور ، وأبي عبيد أن المضمضة سنة والاستنشاق واجب . قالا : من ترك الاستنشاق وصلى أعاد ، ومن ترك المضمضة لم يعد .

1156 - وكذلك القول عند أحمد بن حنبل في رواية . وعند أصحاب داود أيضا مثله .

1157 - واحتج من أوجبهما في الوضوء وفي غسل الجنابة أن الله تعالى قال : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا [ النساء : 43 ] .

1158 - كما قال في الوضوء : فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] .

1159 - فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر .

1160 - ولم يحفظ أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا غسله للجنابة ، وهو المبين عن الله عز وجل مراده .

1161 - وقد بين أن مراد الله بقوله : فاغسلوا وجوهكم المضمضة والاستنشاق مع غسل سائر الوجه .

1162 - وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي - عليه السلام - فعل المضمضة ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل .

[ ص: 14 ] 1163 - وفعل عليه السلام الاستنثار وأمر به ، وأمره على الوجوب إلا أن يستبين غير ذلك من مراده .

1164 - وهذا على أصلهم في ذلك ، ولكل واحد منهم اعتلالات وترجيحات يطول ذكرها .

1165 - وأما غسل الوجه ثلاثة على ما في حديث عبد الله بن زيد هذا فهو الكمال ، والغسلة الواحدة إذا أوعبت تجزئ بإجماع من العلماء ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توضأ مرة مرة ، ومرتين ، وثلاثة .

1166 - وهذا أكثر ما فعل من ذلك عليه السلام ، وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير في الثنتين والثلاث ، إلا إن ثبت أن شيئا من ذلك نسخ لغيره ، فقف على إجماعهم فيه .

1167 - قال ابن القاسم عن مالك : ليس في ذلك توقيت . قال الله تعالى : فاغسلوا وجوهكم ، ولم يوقت .

1168 - وذكر عنه ابن عبد الحكم قال : لا أحب الاقتصار على اثنتين وإن عمتا .

1169 - والوجه مأخوذ من المواجهة ، وهو من منابت شعر الرأس إلى العارض والذقن والأذنين وما أقبل من اللحيين .

[ ص: 15 ] 1170 - واختلف في البياض الذي بين الأذنين والعارض ، فروى ابن وهب ، عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه .

1171 - وزعم عبد الوهاب أن مذهبه محمول في ذلك على أن غسل الوجه إلى العارض فرض ، وغسل ما بين العارض إلى الأذن سنة .

1172 - وقال الشافعي : يغسل المتوضئ وجهه من منابت شعر لحيته إلى أصول أذنيه ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه .

1173 - قال : فإن كان أمرد غسل بشرة وجهه كلها ، فإن نبتت لحيته وعارضاه أفاض على لحيته وعارضيه ، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه إذا كان شعره كثيرا .

1174 - قال أبو عمر : قد أجمعوا أن ليس على المتيمم أن يمسح ما تحت عارضيه فقضى إجماعهم في ذلك على مراد الله منه ، لأن الله أمر المتيمم بمسح وجهه ، كما أمر المتوضئ بغسله .

[ ص: 16 ] 1175 - وقال أحمد بن حنبل : غسل الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن وإلى أصول الأذنين ، ويتعاهد البياض الذي بين العارض والأذن .

1176 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض الذي بين العذار والأذن - من الوجه ، وغسله واجب .

1177 - قال أبو عمر : في اختلاف العلماء بالمدينة وغيرها قديما فيما أقبل من الأذنين هل هو من الرأس أو من الوجه ما يوضح أن البياض الذي بين الأذنين والعارض من الوجه .

1178 - وسأذكر اختلاف العلماء في الأذنين في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

1179 - قرأت على محمد بن عبد الله بن حكم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال ، حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة قال ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال ، حدثنا قيس بن الربيع عن جابر بن هرمز قال : سمعت عليا يقول ابلغ بالوضوء مقاص الشعر .

1180 - واختلف في تخليل اللحية والذقن ، فذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء .

1181 - وقال مالك ، وأكثر أصحابه ، وطائفة من أهل المدينة : ولا في غسل الجنابة .

[ ص: 17 ] 1182 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أن الجنب يخلل لحيته ، ويستحب ذلك له ، وليس ذلك على المتوضئ .

1183 - قال : وكان رسول الله يخلل أصول شعره في غسله من الجنابة .

1184 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود ، والطبري ، " ومن قال بقوله " : تخليل اللحية في غسل الجنابة واجب ، وهذا على من احتاج إلى ذلك لكثرة شعره ليصل الماء إلى بشرته .

1185 - وأظن مالكا ومن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع من وصول الماء .

1186 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال : ويحرك اللحية في الوضوء إن كانت كثيرة ، ولا يخللها .

1187 - قال : وأما في الغسل فليحركها وإن صغرت ، وتخليلها أحب إلينا .

1188 - وذكر ابن القاسم عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها .

[ ص: 18 ] 1189 - قال : وهي مثل أصابع الرجل ، يعني أنها لا تخلل .

1190 - وقال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل .

1191 - وروى أبو فروة موسى بن طارق قال : سمعت مالكا يذكر تخليل اللحية فيقول : يكفيها ما مسها من الماء مع غسل الوجه ، ويحتج في ذلك بحديث عبد الله بن زيد : لم يذكر فيه تخليل اللحية .

1192 - وقال الأوزاعي : ليس تحريك اللحية وتخليل العارضين بواجب .

1193 - وقال ابن خواز بنداذ : اتفق الفقهاء على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء ، إلا شيئا روي عن سعيد بن جبير .

1194 - قال أبو عمر : الذي روى عن سعيد بن جبير قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت ، فإذا نبتت لم يغسلها ؟ وما بال الأمرد يغسل ذقنه ، ولا يغسله ذو اللحية ؟ .

1195 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كلها ضعيفة .

1196 - وأما الصحابة والتابعون فروي عن جماعة منهم تخليل اللحية وأكثرهم لم يفرقوا بين الوضوء والجنابة . وروي عن جماعة منهم الرخصة في ترك تخليل اللحية .

1197 - وإيجاب غسل ما تحت اللحية مع الاختلاف فيه دون دليل قاطع فيه لا يصح ، ومن احتاط فخلل لم يعب .

[ ص: 19 ] 1198 - قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح اللحية ، ثم سقط بعد هذا عندهم جميعهم ، فكذلك الوضوء .

1199 - وأما ما انسدل من اللحية فذكر عن سحنون ، عن ابن القاسم ، قال : سمعت مالكا يسأل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول : إن اللحية من الوجه . . . . . الماء ؟ قال : نعم . قال : وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله .

1200 - قيل لسحنون : أرأيت من غسل وجهه ولم يمر الماء على لحيته ؟ قال : هو بمنزلة من لم يمسح رأسه ، وعليه الإعادة .

1201 - واختلف قول الشافعي فيما انسدل من شعر اللحية ، فقال مرة : أحب إلي أن يمر الماء على ما سقط من اللحية على الوجه ، فإن لم يفعل ففيها قولان : يجزئه في أحدهما ، ولا يجزئه في الآخر لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه - من الوجه . يعني بقوله : ما سقط : ما انسدل .

1202 - قال أبو عمر : من جعل غسل ما انسدل من اللحية واجبا جعلها وجها ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا ، لم يخص صاحب لحية من أمرد ، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله ، لأن الوجه مأخوذ من المواجهة وغير ممتنع أن تسمي اللحية وجها فوجب غسلها لعموم الظاهر .

1203 - ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله بشرة الوجه ، وإنما وجب غسل اللحية لأنها ظهرت فوق البشرة حائلة دونها ، وصارت البشرة باطنا ، وصار الظاهر هو شعر اللحية ، فوجب [ ص: 20 ] غسلها بدلا من البشرة . وما انسدل من اللحية ليس لحية فما يلزم غسله ، فيكون غسل اللحية بدلا منه ، كما أن جلد الرأس مأمور بغسله أو مسحه ، فلما نبت الشعر ناب مسح الشعر عن مسح جلدة الرأس ، لأنه ظاهر ، فهو بدل منه . وما انسدل من الرأس وسقط فليس تحته بشرة يلزم مسحها . ومعلوم أن الرأس المأمور بمسحه ما علا ونبت فيه الشعر ، وما سقط من شعره وانسدل فليس برأس ، وكذلك ما انسدل من اللحية ليس ، بوجه والله أعلم .

1204 - ولأصحاب مالك أيضا في هذه المسألة قولان كأصحاب الشافعي سواء ، والله أعلم .

1205 - وأما غسل اليدين فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد هذا : " أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - غسلهما مرتين مرتين إلى المرفقين " .

1206 - وجاء عن عثمان وعلي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه غسلهما ثلاثا ثلاثا ، وهو أكمل الوضوء وأتمه .

1207 - وروى ابن عباس أنه توضأ مرة مرة ، وهو أقل ما يجزئ إذا كانت سابغة . وقد مضى القول في هذا المعنى .

[ ص: 21 ] 1208 - وقد أجمعوا على أن الأفضل أن يغسل اليمنى قبل اليسرى ، وأجمعوا على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يتوضأ ، وكان - عليه السلام - يحب التيامن في أمره ، كما في طهوره وغسله وغير ذلك من أموره .

1209 - وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل اليمنى أنه لا إعادة عليه .

1210 - وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا : لا نبالي بأي ذلك بدأنا .

1211 - قال معن بن عيسى : سألت عبد العزيز بن أبي [ ص: 22 ] سلمة عن إجالة الخاتم عند الوضوء . قال : إن كان ضيقا فأجله ، وإن كان واسعا فأقره .

[ ص: 23 ] 1212 - قال : وقال مالك ليس عليه ذلك .

1213 - وقال محمد بن عبد الحكم كقول محمد بن أبي سلمة .

1214 - وأما إدخال المرفقين في الغسل فعلى ذلك أكثر العلماء ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة ، وأصحابه .

1215 - إلا زفر ، فإنه اختلف عنه في ذلك : فروي عنه أنه يجب غسل المرافق مع الذراعين ، وروي عنه أنه لا يجب ذلك . وبه قال الطبري ، وبعض أصحاب مالك المتأخرين ، وبعض أصحاب داود .

1216 - فمن أوجب غسلها حمل قوله : " وأيديكم إلى المرافق " [ المائدة : 6 ] على أن " إلى " هاهنا بمعنى الواو ، أو بمعنى مع ، فتقدير قوله ذلك عندهم : وأيديكم والمرافق أو مع المرافق .

[ ص: 24 ] 1217 - واحتج بعضهم بقوله تعالى : " من أنصاري إلى الله " [ الصف : 14 ] ، أي مع الله .

1218 - وقوله : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " [ النساء : 2 ] ، أي مع أموالكم .

1219 - وأنكر بعض أهل اللغة أن تكون ( إلى ) بمعنى الواو ، وبمعنى ( مع ) .

1220 - وقال : لو كان كذلك لوجب غسل اليدين من أطراف الأصابع إلى أصل الكتف .

1221 - وقال : لا يجوز أن تخرج ( إلى ) عن معناها ، وذلك أنها بمعنى الغاية أبدا .

1222 - وقال : جائز أن تكون ( إلى ) هاهنا بمعنى الغاية ، وتدخل المرافق في الغسل ؛ لأن الثاني إذا كان من الأول كان ما بعد ( إلى ) داخلا فيما قبله ، فدخلت المرافق في الغسل لأنها من اليدين ، ولم يدخل الليل في الصيام بقوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " [ البقرة : 187 ] ؛ لأن الليل ليس من النهار ، كأنه يقول : ما كان من الجنس دخل الحد منه في المحدود ، وما لم يكن من الجنس لم يدخل في المحدود منه حده .

1223 - ومن لم يوجب غسلها حمل ( إلى ) على الغاية ، كقوله : و " أتموا الصيام إلى الليل " . وليس بشيء مما قدمنا من الحجة لقول الجمهور الذين لا يجوز عليهم جهل التأويل ولا تحريفه ، لأن القائلين بسقوط إدخال المرفقين في غسل الذراعين قليل ، وقولهم في ذلك كالشذوذ . ومن غسل المرفقين مع الذراعين فقد أدى فرضه بيقين ، واليقين في أداء الفرائض واجب .

[ ص: 25 ] 1224 - وأما المسح بالرأس فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن وعمل أكمل ما يلزمه .

[ ص: 26 ] 1225 - على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير لا يقصد إلى إسقاطه متجاوز عنه لا يضر المتوضئ .

1226 - وجمهورهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة موعبة كاملة لا يزيد عليها ، إلا الشافعي فإنه قال : من توضأ ثلاثا مسح رأسه ثلاثا على ظاهر الحديث في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا .

1227 - وفي بعض الروايات عن عثمان في صفة وضوء رسول الله : ثم يمسح رأسه ثلاثا .

[ ص: 27 ] 1228 - وأكثرها على مرة واحدة .

1229 - وروي مسح الرأس ثلاثا عن أنس بن مالك ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وغيرهم .

1230 - وكان ابن سيرين يقول : يمسح رأسه مرتين . وكان مالك يقول في مسح الرأس : يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ، ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد .

1231 - قال : وهو أبلغ ما سمعت في مسح الرأس وهو قول الشافعي في أن حديث عبد الله بن زيد أحسن ما جاء في مسح الرأس .

1232 - وروي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ويدير ويعيد إلى حيث بدأ .

1233 - وفي حديث عبد الله بن زيد : " بدأ بمقدم رأسه " وهو الذي ينبغي أن يمتثل ويحمل عليه .

1234 - وروى معاوية ، والمقدام بن معدي عن النبي - عليه السلام : [ ص: 28 ] " ثم يمسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر " . فقد توهم بعض الناس أنه بدأ بمؤخر رأسه لقوله : " فأقبل بهما " ، وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر ، وهذه كلها ظنون .

1235 - وفي قوله : " بدأ بمقدم رأسه " ما يرفع الإشكال لمن امتثل نفسه ، لأنه مفسر لقوله : " فأقبل بهما وأدبر " .

1236 - وهو كلام يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير ، كأنه قال : فأدبر بهما وأقبل ، والواو لا توجب رتبة ولا تعقيبا .

1237 - وإذا احتمل الكلام التأويل كان قوله : " بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه " يوضح ما أشكل من ذلك .

1238 - وهذا كله معنى قول مالك .

1239 - وأما قول الحسن بن حي : يبدأ من مؤخر رأسه فإنه قد روي [ ص: 29 ] في حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها وصفت وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : " ومسح رأسه مرتين ، بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه ظهورهما وبطونهما " .

1240 - وقد ذكرنا علة إسناده في " التمهيد " .

1241 - وأجمع العلماء أن من عم رأسه بالمسح فقد أدى ما عليه ، وأتى بأكمل شيء فيه ، وسواء بدأ بمقدم رأسه أو بوسطه أو بمؤخره ، وإن كان لم يفعل ما استحب منه .

[ ص: 30 ] 1242 - واختلف الفقهاء فيمن مسح بعض رأسه :

1243 - فقال مالك : الفرض مسح جميع الرأس ، فإن ترك شيئا منه كان كمن ترك غسل شيء ، من وجهه . هذا هو المعروف من مذهب مالك .

1244 - وهو مذهب ابن علية . قال ابن علية : قد أمر الله تعالى بمسح الرأس في الوضوء كما أمر بمسح الوجه في التيمم ، وأمر بغسله في الوضوء .

1245 - وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء ولا مسح بعضه في التيمم .

1246 - وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح كله ، ولم يقل أحد : إن مسح بعضه سنة ، وبعضه فريضة فدل على أن مسحه كله فريضة .

1247 - واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا على وجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى : " وليطوفوا بالبيت العتيق " [ الحج : 29 ] ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه ، فكذلك مسح الرأس .

1248 - والمعنى في قوله : " وامسحوا برءوسكم " أي : امسحوا رؤوسكم . ومن مسح بعض رأسه فلم يمسح رأسه .

1249 - واختلف أصحاب مالك في ذلك : فقال أشهب : يجوز مسح بعض الرأس .

1250 - وذكر أبو الفرج ، قال : اختلف متأخرو أصحابنا في ذلك ، فقال بعضهم ، لا بد أن يمسح كل الرأس أو أكثره وإذا مسح أكثره أجزأه .

1251 - قال : وقال آخرون : إذا مسح الثلث فصاعدا أجزأه .

[ ص: 31 ] 1252 - قال : وهذا أشبه القولين عندي وأولاهما من قبل أن الثلث فما فوقه قد جعله مالك في حيز الكثير في غير موضع من كتبه ومذهبه .

1253 - وزعم الأبهري أنه لم يقل أحد من أصحاب مالك ما ذكره [ ص: 32 ] أبو الفرج عنهم ، فإن المعروف لمحمد بن مسلمة ومن قال بقوله : أن الممسوح من الرأس إن كان المتروك الأقل جاز على أصل مالك في أن الثلث عنده قدر يسير في كثير من مسائله .

1254 - قال أبو عمر : ما ذكره أبو الفرج والأبهري عن محمد بن مسلمة كلاهما خارج عن أصول مالك في الثلث ، فمرة يجعله حدا في اليسير ، ومرة في الكثير .

1255 - وأما الشافعي فقال : الفرض مسح بعض الرأس . وقال : احتمل قوله عز وجل : " وامسحوا برءوسكم " مسح بعض الرأس ومسح جميعه ، فدلت السنة على أن يجزئ .

[ ص: 33 ] 1256 - وقال في موضع آخر من كتابه : فإن قيل : مسح الوجه في التيمم يدل على عموم غسله ، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه . ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما بينهما .

1257 - قال أبو عمر : السنة التي ذكر الشافعي أنها دلت على أن مسح بعض الرأس يجزئ هي مسحه بناصيته - عليه السلام - . والناصية مقدم الرأس فقط .

1258 - جاء ذلك في آثار كثيرة ، منها ما أخبرناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ، حدثنا أحمد بن زهير قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عمرو بن وهب قال : كنا عند المغيرة بن شعبة فقال : " مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناصيته .

1259 - وقد روى بكر المزني ، عن الحسن ، عن ابن المغيرة ، عن أبيه عن النبي - عليه السلام - مثله .

[ ص: 34 ] 1260 - ومن حديث أنس عن النبي - عليه السلام - مثله .

1261 - ذكرهما أبو داود . وقد ذكرتهما بإسنادهما في التمهيد .

1262 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن مسح المتوضئ بعض رأسه أجزأه ، ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره .

1263 - واختلف أصحاب داود : فقال بعضهم : مسح الرأس كله واجب فرضا كقول مالك ، وقال بعضهم : المسح ليس شأنه الاستيعاب في لسان العرب والبعض يجزئ .

1263 - وقال الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد : يجزئ مسح بعض الرأس ، ويمسح المقدم . وهو قول داود وأحمد .

1264 - وقد قدمنا عن جميعهم أن مسح جميع الرأس أحب إليهم .

1265 - وكان ابن عمر ، وسلمة بن الأكوع يمسحان مقدم رءوسهما .

[ ص: 35 ] 1267 - وعن جماعة من التابعين إجازة مسح بعض الرأس ، ذكر ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق .

1268 - وقال أبو حنيفة : إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فيما زاد أجزأه ، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزه .

1269 - وقال الثوري ، والشافعي : إن مسح بإصبع واحد أجزأه ، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزئه .

1270 - واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على أن الرأس يجزئ مسحه إلا بماء جديد يأخذه له المتوضئ ، كما يأخذه لسائر الأعضاء .

1271 - ومن مسح رأسه بما فضل من البلل في يديه من غسل ذراعيه لم يجزه .

1272 - وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين : يجزئه .

1273 - وذكر ابن حبيب ، عن ابن الماجشون أنه قال : إذا نفد الماء عنه مسح رأسه ببلل لحيته ، واختاره ابن حبيب .

1274 - والمرأة عند جميع الفقهاء في مسح رأسها كالرجل سواء ، كل مما أصله .

1275 - وأما غسل الرجلين ففي حديث عبد الله بن زيد هذا : " ثم غسل رجليه " ولم يجر .

[ ص: 36 ] 1276 - وفي حديث عثمان وعلي إذ وصفا وضوء رسول الله في بعض الروايات عنهما : " ثم غسل رجليه ثلاثا " ، وفي بعضها : " ثم غسل رجليه حتى أنقاهما " ، وفي بعضها : " ثم غسل رجليه " فقط .

1277 - وأجمع العلماء أن غسلة واحدة في الرجلين وسائر أعضاء الوضوء تجزئ إذا كانت سابغة . وإذا أجزأت المرة الواحدة في الوجه والذراعين فأحرى أن تجزئ في الرجلين ؛ لأنهما عند بعض العلماء ممسوحتان ، وهما في التيمم مع الرأس يسقطان .

1278 - والقول عند العلماء في دخول الكعبين في غسل الرجلين كهو في المرفقين مع الذراعين ، كل على أصله .

1279 - وسنبين ما في ذلك كله للعلماء في هذا الباب عند قوله ، عليه السلام : " ويل للأعقاب من النار " إن شاء الله .

1280 - ويأتي ذكر الأذنين وحكمهما في بابهما من هذا الكتاب بحول الله وعونه .

التالي السابق


الخدمات العلمية