الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
498 474 - وأما حديثه عن زياد بن أبي زياد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة ، وأفضل [ ص: 156 ] ما قلت أنا والنبيون من قبلي ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) " .


10859 - فقد ذكرناه مسندا ومرسلا في ( التمهيد ) ، وذكرنا أيضا ما كان في معناه والحمد لله .

10860 - وفيه تفضيل الدعاء بعضه على بعض وتفضيل الأيام بعضها على بعض ، ولا يعرف شيء من ذلك إلا بتوقيف ، فقد ثبت في يوم الجمعة ويوم عاشوراء ويوم عرفة ما هو مذكور في كتابنا هذا في مواضعه ومعروف أيضا في غيره ، وجاء الاستدلال بهذا الحديث على أن دعاء عرفة مجاب كله في الأغلب إن شاء الله إلا للمعتدين في الدعاء بما لا يرضى الله .

10861 - وقد اختلف العلماء في الذكر فقال منها قائلون : أفضل الكلام لا إله إلا الله ، واحتجوا بهذا الحديث وما كان مثله فإنها كلمة التقوى .

10862 - وقال آخرون : أفضل الذكر : " الحمد لله رب العالمين " ، ففيه معنى الشكر والثناء ، وفيه من الإخلاص ما في لا إله إلا الله وأن الله افتتح به كلامه وختم به وأنه آخر دعوى أهل الجنة .

10863 - ودون كل فرقة مما قالت من ذلك أحاديث كثيرة ، قد أوردنا أكثرها في ( التمهيد ) وهي كلها آثار مسندات حسان ، وهي مسألة توقيف لا يدخل فيها الرأي فلا بد فيها من الآثار ، والذكر كله عند العلماء دعاء .

[ ص: 157 ] 10864 - حدثنا خلف بن قاسم قال : حدثنا الحسن بن رشيق قال : حدثنا علي بن سعيد الرازي قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : قال لي عبد العزيز بن عمر : كنت أتمنى أن ألقى الزهري ، فرأيته في النوم بعد موته فقلت : يا أبا بكر هل من دعوة ؟ قال : نعم . لا إله إلا الله وحده لا شريك له توكلت على الحي الذي لا يموت ، اللهم إني أسألك أن تعيذني وذريتي من الشيطان الرجيم .

10865 - وروى حسين بن حسن المروزي عن سفيان بن عيينة أنه سأله : ما أكثر ما كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ؟ فقال : لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر .

10866 - قال سفيان : وهذا ذكر وليس بدعاء .

10867 - ثم قال سفيان : أما علمت قول الله ( عز وجل ) حيث قال : " إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " ؟ .

10868 - قال : قلت : نعم . أنت حدثتني بذلك يا أبا محمد عن منصور عن مالك بن الحارث ، وحدثني به عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن منصور عن مالك بن الحارث قال : فهذا تفسيره .

10869 - ثم قال : ما علمت قول أمية بن أبي الصلت حين أتى ابن جدعان :


أأطلب حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء



[ ص: 158 ]

إذا أثنى عليك المرء يوما     كفاه من تعرضك الثناء



10870 - قال سفيان : هذا مخلوق حين ينسب إلى الاكتفاء بالثناء عليه عن مسألة فكيف بالخالق ( عز وجل ) ؟ .

10871 - وذكر أبو الحسن الدارقطني في ( المؤتلف والمختلف ) له قال : حدثنا القاضي المحاملي قال : حدثنا يوسف بن موسى القطان قال : حدثنا عثمان بن عمر التيمي ( تيم الرباب ) قال : حدثنا صفوان بن أبي الصهباء عن بكر بن عتيق عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " .

10872 - قال أبو الحسن : وقد روى الثوري عن بكر بن عتيق هذا ، أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال : حدثنا أحمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جرير قال : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا سفيان عن داود بن أبي هند عن محمد بن سيرين قال : كانوا يرجون في ذلك الموطن ( يعني بعرفة ) حتى للحمل في بطن أمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية