الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
4 حديث ثالث

4 - مالك عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح ، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس .


[ ص: 216 ] 255 - وروى يحيى بن يحيى : " متلففات " بالفاء ، وتابعه طائفة من رواة الموطإ ، وأكثر الرواة على " متلفعات " بالعين ، والمعنى واحد ، والمروط : أكسية الصوف ، وقد قيل : المرط كساء صوف سداه شعر .

256 - وفي هذا الحديث : التغليس بصلاة الصبح ، وهو الأفضل عندنا ؛ لأنها كانت صلاة رسول الله ، وأبي بكر ، وعمر . ولفظ حديث عائشة هذا يدل على أنه كان الأغلب من فعله ، والذي كان يداوم عليه ; لقولها كان رسول الله يصلي الصبح في وقت كذا ، أو على صفة كذا يدل على أن ذلك فعله دهره ، أو أكثر دهره ، والله أعلم .

257 - وإلى التغليس بها ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وعامة فقهاء الحجاز ، وهو الأفضل عندهم ، وبه قال داود .

258 - وذهب الكوفيون إلى الإسفار بها على ما قدمنا ذكره عنهم وهو أفضل عندهم من قول طاوس ، وإبراهيم ، وجماعة .

259 - وقال الطحاوي : إنما تتفق معاني آثار هذا الباب بأن يكون دخوله - عليه السلام - مغلسا ، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرا .

[ ص: 217 ] 260 - وهذا خلاف قول عائشة ; لأنها حكت أن انصراف النساء كان وهن لا يعرفن من الغلس .

261 - ولو قرأ - عليه السلام - بالسور الطوال ما انصرف الناس إلا وهم قد أسفروا بل دخلوا في الإسفار جدا .

262 - ألا ترى إلى أبي بكر حين قرأ بالبقرة في ركعتي صلاة الصبح فانصرف ، فقيل له : كادت الشمس أن تطلع ، فقال : لو طلعت لما وجدتنا غافلين ؟ .

263 - ورواه ابن عيينة ، وغيره ، عن ابن شهاب ، عن أنس : أنه صلى خلف أبي بكر ، فذكره .

264 - وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أي حين أحب إليك : أن أصلي الصبح إماما وخلوا ؟ قال : حين ينفجر الفجر الآخر ، ثم تطول القراءة والركوع والسجود حتى تنصرف منها وقد تبلج النهار وتتام الناس .

265 - ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان يصليها حين ينفجر الفجر الآخر ، وكان يقرأ في إحدى الركعتين بسورة يوسف .

266 - وأما قول عطاء : الفجر الآخر فهو مأخوذ - والله أعلم - من حديث مرسل ذكره ابن وهب ، عن ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمد [ ص: 218 ] بن عبد الرحمن بن ثوبان أن رسول الله - عليه السلام - قال : " هما فجران : فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرم ، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فبه تحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم " .

267 - وقد غلط بعض من ألف في شرح " الموطإ " فزعم أن هذا الحديث رواه ثوبان ، عن النبي - عليه السلام - وهذا غلط بين ، أرسله محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، وليس بينه وبين ثوبان مولى رسول الله نسب .

268 - وروي الإسفار والتنوير بالفجر عن علي ، وابن مسعود ، وأصحابهما ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز .

269 - وذكر ابن أبي شيبة عن ابن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : صلى بنا معاوية بغلس ، فقال أبو الدرداء : أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم .

270 - وقال إسحاق بن منصور : سألت أحمد بن حنبل عن الإسفار ما هو ؟ فقال الإسفار أن يتضح الفجر ، فلا تشك أنه طلع الفجر .

271 - قال : وقال إسحاق بن راهويه : هو كما قال أحمد .

272 - حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا الحسن بن سلمة بن المغل قال : حدثنا عبد الله بن الجارود قال : حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج قال : حدثنا أحمد بن حنبل فذكره . قال : وقال لي إسحاق بن راهويه مثله .

273 - وبهذا الإسناد مسائل أحمد وإسحاق كلها في هذا الكتاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية