الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
531 [ ص: 244 ] 495 - مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره أن مسكينة مرضت ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ماتت فآذنوني بها " ، فخرج بجنازتها ليلا وكرهوا أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان من شأنها فقال : " ألم آمركم أن تؤذنوني بها ؟ فقالوا : يا رسول الله ، كرهنا أن نخرجك ليلا ونوقظك ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها وكبر أربع تكبيرات .


11275 - قال أبو عمر : وصل هذا الحديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه ، ولم يختلف على مالك في إرساله في الموطأ .

[ ص: 245 ] 11276 - وهذا حديث مسند متصل من وجوه ، قد ذكرت أكثرها في ( التمهيد ) .

11277 - وفيه من الفقه عيادة المريض وعيادة الرجال النساء المتجالات وعيادة الأشراف والخلفاء المهتدين بهدي الأنبياء للفقراء ، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التواضع في عيادة الفقراء والمساكين .

11278 - وفيه الأسوة الحسنة .

11279 - وفيه جواز الإذن بالجنازة ، لقوله " ألم آمركم أن تؤذنوني بها ؟ " وذلك يرد قول من كره الإذن بالجنازة ، فاستحب أن لا يؤذن به أحدا ولا يشعر بجنازته جار ولا غيره .

11280 - وقد ذكرنا في ( التمهيد ) جماعة ذهبوا إلى ذلك من السلف ، والحجة في السنة لا فيما خالفها .

11281 - وفيه أن عصيان الإنسان لأميره ، سلطانا كان أو غيره إذا أراد بعصيانه بره وتعظيمه وإكرامه أن ذلك لا يعد عليه ذنبا .

11282 - وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم ممن يعصيه إلا أن ينتهك حرمة من حرمات الله سبحانه فينتقم لله بها ، كما قالت عائشة - رضي الله عنها - ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما غاب عنه إلا أن يطلعه الله عليه .

11283 - وفيه الدفن بالليل .

[ ص: 246 ] 11284 - وفيه الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة ، وهذا عند كل من أجازه ورآه ، وإنما هو بقرب ذلك على ما جاءت به الآثار عن السلف - رحمهم الله - في مثل ذلك .

11285 - وفيه أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات .

11286 - وفيه أن الصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة سواء .

11287 - واختلف الفقهاء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة فجاء وقد فرغ من الصلاة عليها أو جاء وقد دفنت .

11288 - فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا تعاد الصلاة على الجنازة ، ومن لم يدرك الصلاة مع الناس عليها لم يصل عليها ولا على القبر .

11289 - وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح بن حي ، والليث بن سعد .

11290 - قال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر امرأة قال : قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل .

11291 - قال أبو عمر : ما رواه ابن القاسم عن مالك في أنه لا يصلى على القبر هو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه .

11292 - وذكر عبد الرزاق عن معمر قال : كان الحسن إذا فاتته الصلاة على الجنازة لم يصل عليها .

[ ص: 247 ] 11293 - وكان قتادة يصلي عليها .

11294 - وكان ابن عمر إذا انتهى إلى جنازة قد صلي عليها دعا وانصرف .

11295 - وقال الشافعي وأصحابه : من فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إن شاء .

11296 - وهو رأي عبد الله بن وهب صاحب مالك ، وبه يقول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي ، وسائر أصحاب الحديث .

11297 - وقال أحمد بن حنبل : رويت الصلاة على القبر عن النبي - عليه السلام - من ستة وجوه حسان كلها .

[ ص: 248 ] 11298 - قال أبو عمر : قد ذكرتها كلها بالأسانيد الجياد في ( التمهيد ) وذكرت أيضا ثلاثة أوجه حسان مسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فتمت تسعة .

[ ص: 249 ] [ ص: 250 ] [ ص: 251 ] 11299 - وعن علي بن أبي طالب ، وقرظة بن كعب ، وابن مسعود ، وعائشة أم المؤمنين ، وأنس بن مالك ، وسلمان بن ربيعة ، وأبي موسى الأشعري ، أنهم أجازوا الصلاة على القبر وصلوا عليه .

11300 - وقد ذكرنا ذلك عنهم بالأسانيد .

11301 - ومن التابعين محمد بن سيرين ، وقتادة ، وأبو جمرة الضبعي .

11302 - وذكر الزبير بن بكار قال : حدثنا يحيى بن محمد قال : توفي الزبير بن هشام بن عروة بالعقيق في حياة أبيه ، فصلي عليه بالعقيق وأرسل إليه بالمدينة ليصلى عليه في البقيع ويدفن في البقيع .

11303 - قال أبو عمر : أجمع العلماء الذين رأوا الصلاة على القبر جائزة أنه لا يصلى على قبر إلا بقرب ما يدفن ، وأكثر ما قالوا في ذلك شهر .

11304 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يصلى على جنازة مرتين إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن ، وإن كانت قد دفنت أعادها على القبر .

[ ص: 252 ] 11305 - وقال عيسى بن دينار فقيه أهل بلدنا : من دفن ولم يصل عليه من قتيل أو ميت ، فإني أرى أن يصلي على قبره .

11306 - قال : وقد بلغني ذلك عن عبد العزيز بن أبي سلمة .

11307 - وقد روى ابن وهب عن مالك قال : من فاتته الصلاة على الجنازة فليصل على القبر إذا كان قريبا اليوم والليلة كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قبر المسكينة .

11308 - وقال عبد الملك بن حبيب فيمن نسي أن يصلى عليه حتى دفن أو فيمن دفنه يهودي أو نصراني دون أن يدفن ويصلى عليه ثم خشي عليه التغيير ، أنه يصلى على قبره ، وإن لم يخف عليه التغيير نبش وغسل وصلي عليه إن كان بحدثان ذلك .

11309 - وقال يحيى بن معين : قلت ليحيى بن سعيد : ترى الصلاة على القبر ؟ قال : لا . ولا أرى على من صلى عليه شيئا ، وليس الناس على هذا اليوم وأنا أكره شيئا يخالف الناس .

11310 - قال أبو عمر : من صلى على قبر أو جنازة قد صلي عليها ، فمباح ذلك له لأن الله لم ينه عنه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا اتفق الجميع على كراهيته ، بل الآثار المسندة تجيز ذلك ، وعن جماعة من الصحابة إجازة ذلك وفعل الخير يجب ألا يمنع عنه إلا بدليل لا معارض له ، وبالله التوفيق .

[ ص: 253 ] 11311 - وذكر مالك آخر هذا الباب أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يدرك بعض التكبير على الجنازة ويفوته بعضه فقال : يقضي ما فاته من ذلك .

11312 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء في الذي يفوته بعض التكبير على الجنائز هل يحرم في حين دخوله أو ينتظر تكبير إمامه ؟ .

11313 - فروى أشهب عن مالك أنه يكبر ولا ينتظر الإمام ليكبر بتكبيره .

11314 - وهو أحد قولي الشافعي ، رواه المزني .

11315 - وبه قال الليث ، والأوزاعي ، وأبو يوسف .

11316 - وقال أبو حنيفة ومحمد : ينتظر الإمام حتى يكبر فيكبر بتكبيره فإذا سلم الإمام قضى ما عليه .

[ ص: 254 ] 11317 - ورواه ابن القاسم عن مالك والبويطي عن الشافعي .

11318 - واحتج بعض من قال هذا القول بقوله - عليه السلام - : " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " .

11319 - وروي " فاقضوا " .

11320 - إلا أنهم يقولون : إذا كبر الإمام خمسا فلا يقضي إلا أربعا .

11321 - والحجة لرواية أشهب والمزني عن الشافعي أن التكبيرة الأولى بمنزلة الإحرام ، فينبغي أن يفعلها على كل حال ثم يقضي ما فاته بعد سلام إمامه ، لأن من فاتته ركعة من صلاته لم يقضها إلا بعد سلام إمامه .

11322 - واختلفوا إذا رفعت الجنازة ، فقال مالك والثوري : يقضي ما فاته تكبيرا متتابعا ولا يدعو فيما بين التكبير .

11323 - وهو قول سعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، والشعبي ، في رواية إبراهيم ، وحماد ، وعطاء في رواية ابن جريج .

11324 - ورواه البويطي عن الشافعي .

11325 - وقال أبو حنيفة : يقضي ما بقي عليه من التكبير إلا أنه قال يدعو للميت بين التكبير .

11326 - ورواه المزني عن الشافعي .

11327 - وعلى هذا جمهور العلماء بالعراق والحجاز في قضاء التكبير دون [ ص: 255 ] الدعاء ، لأن من قال تقضي تكبيرا متتابعا لا يدعو عنده بين التكبير .

11328 - وقد ذكر ابن شعبان عن مالك الوجهين قال : قال مالك : من فاته بعض التكبير على الجنازة إن قضاه تسعا فحسن ، وإن دعا بين تكبيراته فحسن ، ومن استطاع الدعاء صنعه .

11329 - قال ابن شعبان : يريد دعاء مخفيا .

11330 - وذكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد بن سيرين قال : يكبر ما أدرك ويقضي ما سبقه .

11331 - وقال الحسن : يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه .

11332 - قال أبو عمر : قد روي فيمن فاته بعض التكبير على الجنازة أنه لا يقضي عن ابن عمر ، والحسن ، وربيعة ، والأوزاعي .

11333 - ورواه جابر الجعفي عن عطاء ، والشعبي .

11334 - وبه قال ابن علية ، وقال : لو كان التكبير يقضى ما رفع النعش حتى يقضي من فاته .

11335 - قال : ومن قال يقضي تكبيرا متتابعا ولا يقضي الدعاء ، فقد ترك ما يعلم من سنة الصلاة على الجنائز قال : وإذا رفع الميت فلمن يدعي .

11336 - قال أبو عمر : ليس فيما ذكره ابن علية مقنع من الحجة .

التالي السابق


الخدمات العلمية