الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
538 [ ص: 271 ] ( 8 ) باب الصلاة على الجنائز في المسجد

501 - مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعو له فأنكر ذلك الناس عليها ، فقالت عائشة : ما أسرع الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد .

502 - مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : صلي على [ ص: 272 ] عمر بن الخطاب في المسجد .


11419 - قال أبو عمر : قد روى الضحاك بن عمر وغيره حديث عائشة هذا عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة متصلا مسندا .

11420 - وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد العدول .

11421 - حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا حمزة بن علي قال : حدثنا أحمد بن شعيب النسوي قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، وعلي بن حجر ، قالا : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد الواحد بن حمزة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد . واللفظ لإسحاق .

11422 - قال : وأخبرنا سويد بن نصر قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة أن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره أن عائشة قالت : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد .

[ ص: 273 ] 11423 - وفي هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان ، أحدهما حديث عائشة هذا ، والثاني حديث يروى عن أبي هريرة لا يثبت عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له .

11424 - وقد يحتمل قوله في حديث أبي هريرة هذا فلا شيء له ، أي فلا شيء عليه ، كما قال عز وجل : " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها " الإسراء 7 بمعنى عليها .

11425 - وسئل أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه - عن الصلاة على الجنازة في المسجد ، فقال : لا بأس بذلك ، وقال بجوازه .

11426 - فقيل فحديث أبي هريرة ، فقال : لا يثبت ، أو قال : حتى يثبت .

11427 - ثم قال : رواه صالح مولى التوأمة ، وليس بشيء فيما انفرد به .

11428 - فقد صحح أحمد بن حنبل السنة في الصلاة على الجنائز في المسجد ، وقال بذلك .

11429 - وهو قول الشافعي وجمهور أهل العلم وهي السنة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عمر على أبي بكر الصديق في المسجد ، وصلى صهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة وصدر السلف من غير تنكير ، [ ص: 274 ] وما أعلم من ينكر ذلك إلا ابن أبي ذئب .

11430 - ورويت كراهية ذلك عن ابن عباس من وجوه لا تصح ولا تثبت وعن بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك .

11431 - وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة وغيرهم .

11432 - وقد قال في المعتكف : لا يخرج إلى جنازة فإن اتصلت الصفوف به في المسجد فلا يصلي عليها مع الناس .

11432 م - وقال عبد الملك بن حبيب : إذا كان مصلى الجنائز قريبا من المسجد أو لاصقا به مثل مصلى الجنائز بالمدينة فإنه لاصق بالمسجد من ناحية الشرق ، فلا بأس من أن توضع الجنازة في المصلى خارجا من المسجد وتمدد الصفوف بالناس في المسجد وكذلك قال مالك .

11433 - قال : وقال مالك : لا يعجبني أن يصلى على أحد في المسجد .

11434 - قال مالك : ولو فعل ذلك فاعل ما كان ضيقا ولا مكروها ، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد ، وصلى عمر على أبي بكر في المسجد ، وصلى صهيب على عمر في المسجد .

11435 - وكذلك قال عبد الملك ومطرف .

11436 - وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه قال : ما صلى على أبي بكر إلا في المسجد .

11437 - قال : وحدثنا وكيع عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : صلي على أبي بكر وعمر تجاه المنبر .

[ ص: 275 ] 11438 - قال : وحدثنا يونس بن محمد قال : حدثنا فليح بن سليمان عن صالح بن عجلان عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت : والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد .

11439 - وذكر عبد الرزاق عن معمر والثوري عن هشام بن عروة قال : رأى أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلوا على جنازة ، فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ ما صلي على أبي بكر إلا في المسجد .

11440 - فإن قيل : إن الناس الذين أنكروا على عائشة أن يمر عليها سعد بن أبي وقاص في المسجد هم الصحابة وكبار التابعين لا محالة ، قيل لهم : ما رأت عائشة إنكارهم بكبير ، ورأت الحجة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ هو الأسوة الحسنة والقدوة وأين المذهب والرغبة عن سنته ، ولم يأت عنه ما يخالفها من وجه معروف ولو لم تكن في هذا الباب سنة ما وجب أن تمنع عن ذلك ، لأن الأصل الإباحة حتى يرد المنع والحظر فكيف وفي إنكار ذلك جهل السنة والعمل الأول القديم بالمدينة .

11441 - ألا ترى أن قول عائشة ( ما أسرع الناس ) تريد إلى إنكارها ما يعلمون وترك السؤال عما يجهلون .

11442 - وقد روي : ما أسرع ما ينسى الناس وليس من نسي علما بحجة على من ذكره وعلمه وبالله التوفيق .

11443 - وقد احتج بعض من تعميه نفسه من المنتسبين إلى العلم في كراهية [ ص: 276 ] الصلاة على الجنائز في المسجد ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي وخرج بهم إلى المصلى فصفهم وكبر أربع تكبيرات قال : ولم يصل عليه في المسجد .

11444 - وفي احتجاجه هذا ضروب من الإغفال .

11445 - منها أنه لا يرى الصلاة على الغائب وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي خصوص له عنده .

11446 - ومنها أنه ليس في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة في موضع ولا صلاة العيد في موضع دليل على أن صلاة العيد وصلاة الجنائز لا تجوز إلا في ذلك الموضع ، والمسلمون في كل أفق لهم مصلى في العيد يخرجون إليه ويصلون فيه ولا يقول أحد من علمائهم إن الصلاة لا تجوز إلا فيه .

11447 - وكذلك صلاتهم في المقابر على جنائزهم ليس فيه دليل على أنه لا يصلى على الجنائز إلا في المقبرة وما لم ينه عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمباح فعله ، فكيف بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية