الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : رضي الله عنه : وليس فيما دون خمس من الإبل شيء ولا فيما بين الفريضتين شيء ، وإن وجبت عليه بنت مخاض فلم تكن عنده فابن لبون ذكر ، فإن جاءت بابن لبون وابنة مخاض لم يكن له أن يأخذ ابن لبون ذكرا وابنة مخاض موجودة ، وإبانة أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة أن تكون الإبل مائة وإحدى وعشرين ، فيكون فيها ثلاث بنات لبون وليس في زيادتها شيء حتى تكمل مائة وثلاثين فإذا كملتها ففيها حقة وابنتا لبون ، وليس في زيادتها شيء حتى تكمل مائة وأربعين فإذا كملتها ففيها حقتان وابنة لبون ، وليس في زيادتها شيء حتى تكمل مائة وخمسين ، فإذا كملتها ففيها ثلاث حقاق ، ولا شيء في زيادتها حتى تكمل مائة وستين فإذا كملتها ففيها أربع بنات لبون ، وليس في زيادتها شيء حتى تكمل مائة وسبعين فإذا كملتها ففيها حقة وثلاث بنات لبون ، ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وثمانين ، فإذا بلغتها ففيها حقتان وابنة لبون ، وليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائة وسبعين فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن نصاب الإبل خمس ولا شيء فيما دونها ، ودللنا عليه ، فإذا بلغت كالإبل خمسا ففيها شاة ، وهي فرض إلى تسع ، والأربعة الزائدة على الخمس تسمى وقصا ، وقد اختلف قول الشافعي في الشاة هل تجب فيها وفي الخمس ، أو تجب في الخمس وحدها والوقص عفو ؟ وكذا كل وقص بين فرضين ، ففيه للشافعي قولان : أحدهما : قاله في الإملاء والبويطي ، وإليه ذهب محمد بن الحسن : أن الشاة واجبة في الخمس وهي النصاب ، والوقص الذي عليها عفو ، وكذا فرائض الزكوات في المواشي [ ص: 90 ] كلها مأخوذة من الأوقاص والنصب ، والأوقاص الزائدة عليها عفو ليس لها في الوجوب مدخل .

ووجه هذا القول : قوله صلى الله عليه وسلم : " في خمس شاة " وفيه دليل من وجهين :

أحدهما : أوجب الشاة فيها فاقتضى أن تكون غير واجبة في الزائد عليها .

والثاني : أن الشاة في خمس والوقص الزائد عليها دون خمس . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في فرائض الغنم : " في مائتين وواحدة ثلاث شياه ، وليس فيما دون المائة شيء " ، وهذا نص صريح ، ولأنه وقص قصر عن النصاب فوجب أن لا تتعلق به الزكاة كالأربعة ، ولأنه لو تعلق به الوجوب لكان له تأثير في الزيادة ، فلما لم يكن له تأثير في الزيادة لم يكن تعلق بالوجوب ، ووجه قوله الأول وهو اختيار أبي العباس ، رواية أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض " ، وفيه دلالة من وجهين :

أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة ، فإذا وجبت الغنم في الأربعة والعشرين كلها فوجب أن لا يختلف الإيجاب ببعضها .

والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فذكر النصاب والوقص ، وأضاف الفريضة الواجبة إليهما ، ولأنها زيادة من جنس ماله الذي يجزي في حكم حوله فوجب أن تكون الزكاة في جميعه كالخامس والعاشر ، ولأن تعلق الحكم بمقدار معلوم لا يمنع الزيادة عليه من تعلق الحكم به ، وبالزيادة معها ألا ترى أن المحرم لو حلق ثلاث شعرات وجب عليه دم ، ولو حلق جميع رأسه وجب عليه ذلك الدم ، ولو سرق ربع دينار قطع ، ولو سرق ألف دينار قطع ذلك القطع ، ولم يجز أن يقال إن القطع وجب في ربع دينار دون الزيادة لعدم تأثيرها ، ولأن الدم وجب في ثلاث شعرات دون ما زاد عليها ، كذلك الوقص الزائد يتعلق به الوجوب ، وإن لم يكن له في الزيادة تأثير .

التالي السابق


الخدمات العلمية