[ ص: 271 ] باب
زكاة الحلي
قال
الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا
مالك عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن
عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها أيتاما في حجرها فلا تخرج منه زكاة . وروي عن
ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه ، ذهبا ثم لا يخرج زكاته ( قال ) ويروى
عن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص أن في الحلي الزكاة وهذا مما أستخير الله فيه " .
قال
الماوردي : الحلي ضربان :
أحدهما : ما كان من جنس الأثمان ذهبا وفضة .
والثاني : ما كان من غيره من الجواهر كاللؤلؤ والمرجان فهذا لا زكاة فيه ، وما كان ذهبا وفضة ضربان : محظور ومباح ونذكر تفصيلهما ، فالمحظور زكاته واجبة ، والمباح على قولين :
أحدهما : نص عليه
الشافعي في القديم لا زكاة فيه ، وبه قال من الصحابة
عبد الله بن عمر ،
وجابر بن عبد الله ،
وعائشة رضي الله عنهم ، ومن التابعين
nindex.php?page=showalam&ids=14102الحسن البصري ،
وابن المسيب ،
والشعبي .
ومن الفقهاء
مالك ،
وأحمد ،
وإسحاق .
والقول الثاني : أشار إليه
الشافعي في الجديد من غير تصريح به أن فيه الزكاة ، وبه قال من الصحابة :
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،
وعبد الله بن عمرو بن العاص ،
وعبد الله بن مسعود ،
وابن عباس ، ومن الفقهاء :
الزهري ،
والثوري ،
وأبو حنيفة وصاحباه .
واستدل من أوجب فيه الزكاة بعد الظواهر هي العامة برواية
عطاء nindex.php?page=hadith&LINKID=922216عن nindex.php?page=showalam&ids=54أم سلمة قالت كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله أكنز هي ؟ فقال ما بلغت زكاته فزكي فليس بكنز .
[ ص: 272 ] وروى
عبد الله بن شداد بن الهاد قال
nindex.php?page=hadith&LINKID=922217دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدي فتحات من ورق فقال : ما هذا يا عائشة ؟ فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله ، فقال أتؤدين زكاتهن ؟ فقلت : لا قال : فهو حسبك من النار قال
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي الفتحات الخواتيم وأنشد :
إن لم أقاتل فاكسواني برقعا وفتحات في اليدين أربعا
وروى
nindex.php?page=showalam&ids=16709عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
nindex.php?page=hadith&LINKID=922218أن امرأة من اليمن أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها بنت لها ، وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال لها أتعطين زكاة هذا ؟ فقالت : لا فقال : أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ، قال : فخلعتهما وألقتهما وقالت هما لله ولرسوله وروي
nindex.php?page=hadith&LINKID=922219أن زينب امرأة ابن مسعود قالت : يا رسول الله إن لي حليا وإن عبد الله خفيف ذات اليد ، وإن في حجري بنت أخ لي ، أفيجزيني أن أجعل زكاة حلي فيهم ؟ قال : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنفقي عليهم فلك في ذلك أجران .
وروى
الشعبي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : هذا حليي وهو سبعون دينارا فخذ حق الله تعالى منه ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم دينارا أو ثلاثة أرباع دينار وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى امرأة تطوف بالبيت وعليها مناجد من ذهب فقال : يسرك أن يحليك الله مناجد من نار . قالت : لا . قال : فأدي زكاته قال
أبو عبيد : المناجد الحلي المكلل بالفصوص ، ولأنه من جنس الأثمان فوجب أن تجب فيه الزكاة كالدراهم والدنانير .
واستدل من أسقط الزكاة منه وهو أظهر المذهبين وأصح القولين برواية
nindex.php?page=showalam&ids=17246هشام بن عمار عن
سويد بن عبيد الله عن
نافع عن
ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا زكاة في الحلي وروى
[ ص: 273 ] nindex.php?page=showalam&ids=111أسامة بن زيد مثله ،
وأبو الزبير عن
جابر مثله ،
روت فريعة بنت أبي أمامة قالت حلاني رسول الله صلى الله عليه وسلم رعاثا وحلى أختي ، وكنا في حجره ، فما أخذ منا زكاة حلي قط ، قال
أبو عبيد الرعاث جمع رعثة وهو القرط وقال
النمر بن تولب :
وكل عليل عليه الرعاث والخيلات ضعيف ملق
والخيلات : كل ما تزينت به المرأة من جنس الحلي ، ولأنه جنس مال تجب زكاته بشرطين فوجب أن يتنوع نوعين :
أحدهما : تجب فيه .
والثاني : لا تجب فيه كالمواشي التي تجب الزكاة في سائمتها وتسقط في المعلوفة منها ، ولأنه مبدل في مباح فوجب أن تسقط زكاته كالأثاث والقماش ، ولأنه معدول به عن النماء السائغ إلى استعمال سائغ ، فوجب أن تسقط زكاته كالإبل العوامل ، ولأنه معد للقينة كالعقار ، ولأنه حلي مباح كاللؤلؤ .
وأما الجواب عن الأخبار فمن وجهين :
أحدهما : أنها محمولة على متقدم الأمر حين كان الحلي محظورا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم حظره في أول الإسلام في حال الشدة والضيق ، وأباحه في حال السعة وتكاثر الفتوح ، ألا ترى إلى ما روت
nindex.php?page=showalam&ids=10382أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=922223أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار ، وروى
nindex.php?page=showalam&ids=3أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=922224من أراد أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليسوره سوارا من ذهب .
والثاني : أن زكاته محمولة على إعارته لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
زكاة الحلي [ ص: 274 ] إعارته على أنها قضايا في أعيان يستدل بها على الإطلاق مع إمكان حملها على حلي محظور أو للتجارة ، وأما قياسهم على الدراهم والدنانير فالمعنى فيهما إرصادهما للنماء : فلذلك وجبت زكاتهما ، والحلي غير مرصد للنماء فلم تجب زكاته ، ألا ترى أن عروض التجارة لما أرصدت للنماء وجبت زكاتها ، ولو أعدت للقينة ولم ترصد للنماء وجبت زكاتها ، وكذا الحلي والله أعلم .