الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ ص: 309 ] باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة وكراء الدور والغنيمة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " وإذا كانت له مائتا درهم وعليه مثلها ، فاستعدى عليه السلطان قبل الحول ولم يقض عليه بالدين حتى حال الحول ، أخرج زكاتها ثم قضى غرماءه بقيتها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال إذا كان معه مائتا درهم نقدا ، وعليه مثلها دينا فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يملك عرضا أو عقارا بقيمة المائتين الدين فهذا عليه زكاة المائتين التي بيده لا يختلف .

والضرب الثاني : أن لا يملك سوى المائتين التي بيده ، وقد حال حولها وعليه مثلها ، فهذا على ضربين .

أحدهما : أن يكون ما عليه من الدين مؤجلا ، فعليه زكاة ما بيده لا يختلف .

والضرب الثاني : أن يكون ما عليه من الدين حالا ، ففي وجوب زكاة ما بيده قولان : أحدهما : نص عليه في القديم ، وفي اختلاف العراقيين من الجديد أن ما عليه من الدين يمنع وجوب زكاتها ، فلا تجب فيه الزكاة ، وبه قال من الصحابة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ومن التابعين الحسن البصري وسليمان بن يسار .

ومن الفقهاء الليث بن سعد والثوري وأحمد وإسحاق ، وهو قول مالك في الدراهم والدنانير دون ما سواهما ، وقول أبي حنيفة في الدراهم والدنانير والمواشي دون ما عداهما .

والقول الثاني : نص عليه في الجديد أن الدين لا يمنع وجوب زكاتها وأن الزكاة فيها واجبة .

وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وحماد بن أبي سليمان وهو أصح القولين ، وبه تقع الفتوى .

واستدل من قال بالأول بقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم ومنه دليلان :

[ ص: 310 ] أحدهما : أن من استوعب دينه ما بيده فليس بغني فلم تجب عليه زكاة .

والثاني : أنه جعل الناس صنفين صنفا يؤخذ منه وصنفا تدفع إليه وهذا ممن تدفع إليه

فلم يجز أن تؤخذ منه ، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في الحرم خطيبا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا أشهر زكاتكم ، فمن كان عليه دين فليقضه ثم يزكي بقية ماله " وليس يعرف له في الصحابة مخالف ، فكان إجماعا ، ولأنها عبادة يتعلق وجوبها بالمال ، فوجب أن يكون الدين مانعا منها كالحج ، ولأن الزكاة مال يملك بغير عوض فوجب أن يكون الدين مانعا سنة كالميراث لا يستحق ثبوت الدين فيه ولأنه مال يستحق إزالة يده عنه ، فوجب أن لا تجب فيه الزكاة كمال المكاتب ، ولأن الزكاة تجب على من له الدين لأجل المال الذي بيد من عليه الدين ، فلو وجبت في الدين زكاة وفي المال زكاة ، لوجبت زكاتان في مال ، وذلك غير جائز ، كزكاة التجارة والسوم .

والدلالة على صحة القول الثاني عموم قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، [ التوبة : 103 ] ، وما بيده ماله يجوز فيه تصرفه فوجب أن يستحق الأخذ منه ، وروى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا كان معك مائتا درهم فعليك خمسة دراهم وفيما زاد بحسابه وهو مالك لما بيده فوجب أن يلزمه إخراج زكاته ، ولأن رهن المال في الدين أقوى واستحقاقه بالدين : لأن الرهن في الرقبة ، والدين في الذمة فلما لم يكن الرهن في الدين مانعا من وجوب الزكاة كان أولى ، أن لا يكون مجرد الدين مانعا من وجوب الزكاة ، ولأن الدين واجب في الذمة ، والزكاة لا تخلو من أن تكون واجبة في العين ، أو في الذمة فإن وجبت في العين لم يكن ما في الذمة مانعا منها ، كالعبد إذا جنى وفي ذمة سيده دين يحيط بثمنه لم يكن الدين مانعا من وجوب الأرش في رقبته ، وإن وجبت الزكاة في الذمة لم يكن ما ثبت من الدين أولا في الذمة مانعا منها ، كالدين إذا ثبت في الذمة لزيد لم يكن مانعا من ثبوت دين آخر في الذمة لعمرو وهذا الاستدلال ، يتحرر من اعتلاله قياسان :

أحدهما : أنه حق يتعلق بمال يسقط بتلفه ، فوجب أن لا يمنع الدين من ثبوته كالجناية .

والثاني : أنه حق مال محض فوجب أن لا يكون ثبوت المال بمجرده مانعا من وجوبه كالدين ، ثم من الدلالة على مالك وأبي حنيفة أن يقول : لأنه حق مال يصرف إلى أهل الصدقات فجاز ، أن يجب على من استغرق الدين ماله ، كالعشر في الثمرة والزرع ، والجواب عما قاله أما الخبر فلا حجة فيه : لأن أول دليله ينفي أخذ الصدقة ممن ليس بغني ، وثاني دليله مدفوع بالإجماع على وجود قسم ثالث ، يؤخذ منه ، ويدفع إليه وهو بنو السبيل ، [ ص: 311 ] تؤخذ منهم الصدقة عن أموالهم الغائبة ، وتدفع إليهم الصدقة في أسفارهم للحاجة الماسة وأما حديث عثمان - رضي الله عنه - فلا دليل فيه على إسقاط الزكاة بالدين ، وإنما يدل على تقديم الدين على الزكاة وأما قياسهم على الحج ، فغير صحيح : لأن الجمع بين الحج والزكاة ممتنع لوجوب الزكاة على الصبي والمجنون ، وإن لم يجب الحج عليهما ، ووجوب الحج على الفقير ، إذا كان مقيما بمكة ، وإن لم تجب الزكاة عليه فثبت أن اعتبار أحدهما بالآخر في الوجوب غير صحيح .

وأما قياسهم على الميراث ، فليس الدين مانعا من الميراث : لأن الميراث حاصل وقضاء الدين واجب ، ألا ترى أن الوارث لو قضى الدين من ماله لاستحق ميراث ميته على أنه باطل بزكاة الفطر .

وأما قياسهم على المكاتب ، فليس المعنى فيه أنه ممن يستحق إزالة يده عن ماله وإنما المعنى فيه أنه غير تام الملك ألا ترى أن المكاتب لو كان معه قدر دينه فأكثر ، لم يستحق إزالة يده عنه ثم مع هذا لا زكاة عليه ، وأما قولهم : إن هذا يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مال فدعوى بلا برهان بل هما مالان لرجلين فزكاة هذا المال في عينه ، وزكاة الدين على مالكه والعين غير الدين .

التالي السابق


الخدمات العلمية