الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ ص: 27 ] باب بيان وقت الحج والعمرة

قال الشافعي رضي الله عنه : قال الله جل وعز الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، الآية ( قال الشافعي ) : وأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج ، وروي أن جابر بن عبد الله سئل أيهل بالحج قبل أشهر الحج ؟ قال لا . وعن عطاء أنه قيل له أرأيت رجلا مهلا بالحج في رمضان ما كنت قائلا له ؟ قال : أقول له اجعلها عمرة . وعن عكرمة قال لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله جل وعز الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] .

قال الماوردي : وهو كما قال أشهر الحج التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، بقوله سبحانه الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] شوال وذو القعدة ، وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر .

وبه قال من الصحابة عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وابن الزبير رضي الله عنهم .

ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي .

ومن الفقهاء الثوري وأبو ثور .

وقال أبو حنيفة : شهور الحج شوال وذو القعدة إلى آخر يوم النحر من ذي الحجة .

وقال مالك : شوال وذو القعدة ، وذو الحجة ، فجعلها ثلاثة أشهر كملا ، وبه قال من الصحابة عمر رضوان الله عليه ، ومن التابعين طاوس ، فأما أبو حنيفة فاستدل على أن يوم النحر من أشهر الحج بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ البقرة : 197 ] ، فأخبر أن من أحرم بالحج حرم عليه الوطء في أشهر الحج ، ووطء الحاج في يوم النحر حرام ، فدل على أنه من أشهر الحج ، ولأن كل ليلة كانت من شهور الحج ، كان يومها من شهور الحج كالليلة الأولى ، وأما مالك فإنه استدل [ ص: 28 ] على أن شهور الحج ثلاثة كاملة ، بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، والأشهر عبارة عن الجمع ، وأقل ما يتناوله الجمع المطلق ثلاثة ، ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج كان آخره من شهور الحج كالأول والثاني ودليلنا قوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، الآية وفيها دليلان .

أحدهما : أنه خص أشهر الحج بالذكر لاختصاصهما بمعنى ، وهو عندنا جواز الإحرام فيها بالحج وعندهم استحباب الإحرام فيها بالحج ، وأجمعنا على أن يوم النحر مخالف لما قبله ، لأن عندنا أن الإحرام فيه بالحج لا يجوز ، وعندهم لا يستحب فدل على أنه وما بعده من غير أيام الحج .

والدلالة الثانية : أن أشهر الحج زمان لإدراك الحج ، وآخر زمان الإدراك طلوع الفجر من يوم النحر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك عرفة ليلة النحر فقد أدرك الحج فعلم أن يوم النحر وما بعده من غير أشهر الحج ، ولأن كل زمان لو اعتمر فيه المتمتع لم يلزمه الدم بوجه ، فليس من أشهر الحج أصله رمضان ، لأنه لو اعتمر في رمضان لم يلزمه الدم ، ولو اعتمر في شوال قبل يوم النحر لزمه الدم بوجه ، ولو اعتمر في يوم النحر وما بعده لم يلزمه الدم ، فعلم أنه من غير أشهر الحج ، ويدل على أبي حنيفة أنه يوم سن فيه الرمي ، فوجب أن لا يكون من أشهر الحج كأيام التشريق ، فأما ما استدل به أبو حنيفة من تحريم الوطء فهو من النحر ، قلنا : قد يمكن إباحة الوطء فيه ، وهي أن يعجل الرمي ، وطواف الزيارة فيستبيح فيه الوطء ، وأما ما استدل به مالك من قوله تعالى : الحج أشهر [ البقرة : 197 ] وأن المراد به أقل الجمع قلنا : إنما أراد أفعال الحج في أشهر معلومات ، لأن الحج لا يكون زمانا وإنما تقع أفعاله في الزمان ، وإذا وقع الفعل في بعض الشهر كان واقعا في الشهر ، على أن مطلق الجمع قد يقع على اثنين وبعض ثالث ، قال الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] ، والمراد به قرآن ، وبعض ثالث فسقط ما قالوه والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية