الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : [ غسل ووضوء من لديه بعض ماء لا يكفيه ]

قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة غسل أي بدنه شاء وتيمم وصلى وقال في موضع آخر يتيمم ولا يغسل من أعضائه شيئا وقال في القديم لأن الماء لا يطهر بدنه ( قال المزني ) قلت أنا : هذا أشبه بالحق عندي لأن كل بدل لعدم فحكم ما وجد من بعض المعدوم حكم العدم كالقاتل خطأ يجد بعض رقبة فحكم البعض كحكم العدم وليس عليه إلا البدل ولو لزمه غسل بعضه لوجود بعض الماء وكمال البدل لزمه عتق بعض رقبة لوجود البعض وكمال البدل ولا يقول بهذا أحد نعلمه وفي ذلك دليل وبالله التوفيق " .

قال الماوردي : اعلم أن الجنب إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع بدنه ، أو وجد المحدث ما لا يكفيه لأعضاء وضوئه ، فقد قال الشافعي في القديم : إن فرضه التيمم ، ولا يلزمه استعمال ما وجد من الماء وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني ، وقال الشافعي في الجديد إن عليه أن يستعمل الماء ويتيمم ، لا يجزئه أحدهما دون الآخر ، وهو الصحيح من مذهبه ، فاستدل من أسقط استعمال الماء عنه اقتصارا على التيمم بقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] ثم قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا إشارة إلى ما تقدم من ذكره من الماء المشروع في الاستعمال لجميع الأعضاء : ولأن في استعمال الماء والتيمم جمعا بين بدل ومبدل والجمع بينهما في الأصول لا يلزم كالعتق والصوم في الكفارة ، ولأن عدم بعض الكل كعدم جميعه في جواز الانتقال إلى البدل قياسا على الواجد لبعض الرقبة يكون كالعادم لجميعها في جواز الانتقال إلى الصوم ، وهو استدلال المزني .

ودليلنا قوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] فجعل التيمم مشروطا بعدم ما ذكره على وجه النكرة بحرف النفي ، فاقتضى أن يكون معتبرا بما ينطلق اسم الماء عليه من قليل وكثير ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " الصعيد الطيب طهور من لم يجد الماء " فدل على أنه لا يكون طهورا لمن وجد شيئا من الماء ، ولأن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه [ ص: 284 ] لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه ، قياسا على العادم لبعض أعضائه ، ولأن أعضاء الطهارة بحال لزمه تطهيرها فلم يكن فقد الطهور في بعضها موجبا لسقوط تطهير باقيها ، قياسا على النجاسة إذا قدر على غسل بعضها ، ولأن كل ما كان شرطا في الصلاة لم يكن العجز عن بعضه عجزا عن جميعه كستر العورة والقراءة ، فإنه يستر من عورته ما قدر ويقرأ ما أحسن : ولأن سقوط استعمال الماء إذا اختص ببعض الأعضاء لم يسقط استعماله في باقي الأعضاء ، قياسا على صاحب القروح ، ولأن للماء أصلا ينتقل عنه عند الضرورة ، فلما كان استعماله يقع مبعضا كان وجود بعضه موجبا للمصير إليه ، قياسا على المضطر إذا وجد ما يسد به رمقه من الطعام يلزمه أكل ذلك البعض قبل أكل الميتة .

فأما الجواب عن الآية فهو ما مضى من وجه الاستدلال ، وأما الجواب عن قولهم : إنه جمع بين مبدل وبدل فهو أن التيمم بدل عما لم يصل إليه الماء فلم يكن جمعا بين مبدل وبدل ألا تراه لو استعمل الماء في بعض بدنه ثم أراقه قبل إتمامه لزمه أن يتيمم لما بقي إجماعا ، ولا يكون ذلك جمعا بين مبدل وبدل ، وأما الجواب عن قولهم : إن وجود بعض المبدل كعدمه في الانتقال إلى بدله فمنتقض بالقادر على بعض القراءة يلزمه أن يقرأ بقدر ما قدر عليه وسبح بدلا عن الباقي ، ومنتقض بالواجد لما يستر به بعض عورته لا يسقط عنه فرض الاستتار به ثم الفرق بين بعض الرقبة وبعض الماء من ثلاثة أوجه :

أحدها : وهو الذي أشار إليه أبو إسحاق المروزي أن الصوم يجب عن جميع الرقبة ولا يجب عن بعضها ، والتيمم يجب عن بعض الأعضاء كما يجب عن جميعها .

والثاني : قاله ابن أبي هريرة : إن التكفير يكون ليمين متقدمة والطهارة تكون لصلاة مستقبلة ، وهو لا يستفيد بعتق بعض الرقبة إذا صام شهرين فائدة ، فسقط عند عتق بعضها لعدم الفائدة فيه ، ويستفيد باستعمال بعض الماء إذا تيمم فائدة ، وهو أن يتم باقي أعضائه ، وإذا وجد الماء فيرتفع حدثه به ، فلزمه استعمال بعضه لوجود الفائدة فيه .

والثالث : أن الماء مستعمل في الوضوء على التبعيض والتجزئة ، لأنه يستعمل في عضو دون عضو ، فجاز أن يتبعض في الوجوب ، والعتق لم يبن على التبعيض والتجزئة فلم يتبعض في الوجوب .

التالي السابق


الخدمات العلمية